وطن-تشهد تونس تصعيداً غير مسبوق في الضغوط المفروضة على منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، وسط اتهامات متزايدة للرئيس التونسي قيس سعيّد باستخدام القضاء والإجراءات الإدارية لتضييق الخناق على الحريات العامة، في واحدة من أعمق الأزمات الحقوقية التي عرفتها البلاد منذ ثورة 2011.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، باتت الوقفات الاحتجاجية الصغيرة أمام المحكمة الابتدائية في العاصمة تونس مشهداً متكرراً خلال الأسابيع الأخيرة، حيث يطالب ناشطون ومحامون بحماية الحريات ووقف قرارات تعليق أنشطة الجمعيات والمنظمات المستقلة.
موجة استهداف واسعة للمنظمات الحقوقية
خلال العامين الماضيين، تعرضت عشرات المنظمات غير الحكومية في تونس لقرارات تعليق مؤقت لأنشطتها لمدة 30 يوماً، مع التهديد بحلها نهائياً بقرارات قضائية، في إطار ما تصفه منظمات حقوقية بحملة ممنهجة لتقليص المجال المدني في البلاد.
ومن بين أبرز الجهات التي استهدفتها السلطات التونسية مؤخراً:
- الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أقدم منظمة حقوقية في أفريقيا والحائزة ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام عام 2015.
- منظمة “محامون بلا حدود” الدولية.
- مؤسسة “الخط” المالكة لموقع “إنكيفادا” الاستقصائي المستقل.
وأكدت مديرة تحرير “إنكيفادا” منال لسود أن السلطات بدأت منذ أكتوبر 2025 في اتخاذ إجراءات تهدف إلى إسكات المنصة الإعلامية، مشيرة إلى أن المؤسسة تواجه حالياً دعوى قضائية قد تنتهي بحلها نهائياً.
وقالت لسود: “واصلنا عملنا رغم قرار التعليق، لأننا نؤمن بحقنا في الدفاع وفي قضاء مستقل ومحايد”.
قيس سعيّد وتفكيك مؤسسات ما بعد الثورة
يعود تصاعد الأزمة إلى الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد منذ 25 يوليو 2021، عندما جمّد البرلمان وأقال الحكومة وبدأ الحكم بالمراسيم، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها بداية مسار سلطوي جديد في تونس.
وأعقب ذلك إقرار دستور جديد منح الرئيس صلاحيات واسعة، إلى جانب تقليص استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية، بما فيها المجلس الأعلى للقضاء.
وترى منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، أن السلطات التونسية تستخدم ملف التمويل الأجنبي ذريعة لاستهداف الجمعيات المستقلة وتبرير ملاحقات قضائية وقرارات إدارية ضدها.
وبحسب التقرير، تخضع نحو 600 جمعية ومنظمة في تونس لتحقيقات مختلفة تتعلق بالتمويل أو النشاط المدني والإعلامي.
القضاء أداة لإغلاق المنظمات
تعتمد السلطات التونسية، وفق التقرير، على المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات، والذي يسمح باتباع ثلاث مراحل ضد أي منظمة:
- توجيه إنذار إداري.
- تعليق النشاط مؤقتاً.
- حل الجمعية بقرار قضائي.
ووصلت بعض المنظمات بالفعل إلى المرحلة الأخيرة، بينها “إنكيفادا” وجمعية “منامتي” المناهضة للعنصرية، التي تقبع مؤسستها سعدية مصباح في السجن منذ عامين، قبل أن تُحكم مؤخراً بالسجن ثماني سنوات بتهم مالية.
وقال لامين بن غازي، مسؤول المناصرة في منظمة “محامون بلا حدود”، إن السلطات الحالية لا تستهدف المؤسسات فقط، بل “تحاول محو النظام السياسي بأكمله الذي نشأ بعد الثورة، بما يشمل الإعلام والجمعيات والنقابات”.
تراجع خطير في حرية الإعلام
بالتوازي مع التضييق على الجمعيات، شهدت تونس موجة اعتقالات ومحاكمات طالت إعلاميين وصحفيين وناشطين، أبرزهم المحامية والإعلامية سنية الدهماني، والصحفي مراد الزغيدي.
واستخدمت السلطات المرسوم 54 لسنة 2022 الخاص بمكافحة “الأخبار الزائفة” لملاحقة منتقدي السلطة، وهو القانون الذي تعتبره منظمات حقوقية أداة لتقييد حرية التعبير.
وعلى الرغم من الإفراج عن سنية الدهماني بعد أكثر من عام ونصف في السجن، أصدرت محكمة تونسية هذا الأسبوع حكماً جديداً بسجنها عامين إضافيين، بينما لا يزال مراد الزغيدي موقوفاً ويواجه تهماً بالفساد وغسل الأموال يعتبرها محاموه ذات دوافع سياسية.
ووفق تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026، تراجعت تونس إلى المرتبة 137 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة، بعدما كانت في المرتبة 129 العام الماضي.
وقال أسامة بوعجيل، المسؤول الإقليمي في المنظمة، إن السلطات التونسية سجلت 39 ملاحقة قضائية ضد صحفيين استناداً إلى قوانين لا علاقة لها بالعمل الصحفي.
سيهم بن سدرين: الخوف أصبح سياسة دولة
ومن أبرز الأصوات المنتقدة للتصعيد الحقوقي في تونس، الصحفية والحقوقية سيهم بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة.
وقالت بن سدرين، التي اعتُقلت عام 2024 وأُفرج عنها بعد إضراب طويل عن الطعام، إن السلطة لم تعد تلجأ إلى الإغلاق المباشر للمنظمات بقدر ما تعتمد سياسة “التعليق والترهيب” لنشر الخوف والرقابة الذاتية.
وأضافت: “أصبح سجن المعارضين بالنسبة للنظام الحالي أشبه برسائل ملكية مغلقة.. يتم اعتقالك وقد لا تخرج أبداً”.
أزمة حقوقية تهدد مستقبل الحريات في تونس
يرى مراقبون أن تونس، التي اعتُبرت بعد ثورة 2011 النموذج الديمقراطي الوحيد الناجح نسبياً في المنطقة العربية، تواجه اليوم تراجعاً حاداً في مكتسبات الحريات وحقوق الإنسان.
ويحذر ناشطون من أن استمرار استهداف الجمعيات والإعلام المستقل سيؤدي إلى إغلاق ما تبقى من المجال المدني والسياسي، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لسجل الحريات في البلاد.
ومع استمرار الاعتقالات وقرارات تعليق النشاط والملاحقات القضائية، تبدو تونس أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها معركة السلطة مع مستقبل المجتمع المدني وحرية التعبير في البلاد.
اقرأ المزيد
مقصلة اليمين المتطرف.. لِمَ وضعت أوروبا تونس ومصر في قلب ’سيناريو مناطق مراكز ترحيل دائمة؟
“تصدير الحدود”.. كيف تحولت غابات طنجة والفنيدق إلى حارس أمني لأوروبا؟
عودة حج الغريبة في جربة: كنيس أفريقيا الأقدم يستعيد زواره وسط إجراءات أمنية مشددة

