وطن-وقّعت روسيا وحكومة طالبان في أفغانستان اتفاقاً جديداً للتعاون العسكري والتقني، في خطوة تعكس تقارباً متسارعاً بين موسكو وكابل، وتمنح روسيا مساحة أوسع لتعزيز حضورها الأمني والسياسي في آسيا الوسطى، وسط تحولات إقليمية متشابكة منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وقالت شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية إن الاتفاق جرى الانتهاء منه، الأربعاء، على هامش منتدى أمني دولي عُقد في روسيا، عقب لقاء جمع أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو ووزير الدفاع الأفغاني محمد يعقوب، أحد أبرز وجوه القيادة العسكرية في حركة طالبان.
وأعلنت وزارة الدفاع التابعة لطالبان، عبر منصة “إكس”، أن محمد يعقوب توجه إلى روسيا للمشاركة في المؤتمر الأمني، في زيارة تحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، خصوصاً أنها تأتي في وقت تسعى فيه موسكو إلى ترسيخ علاقة مباشرة مع سلطات كابل.
ويُعد محمد يعقوب، نجل مؤسس حركة طالبان الملا محمد عمر، من الشخصيات المؤثرة داخل الحركة. وكان والده قد أقام خلال فترة حكم طالبان الأولى تحالفاً وثيقاً مع أسامة بن لادن، ووفّر ملاذاً لتنظيم القاعدة، الذي خطط من داخل أفغانستان لهجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.
وبحسب ما أوردته فوكس نيوز، لم تكشف روسيا ولا حكومة طالبان، حتى الخميس، تفاصيل إضافية بشأن بنود اتفاق التعاون العسكري الجديد، أو طبيعة المجالات التقنية التي سيشملها، إلا أن توقيته يعكس اتجاهاً روسياً واضحاً نحو تعميق الشراكة مع طالبان على المستويين الأمني والاستراتيجي.
وخلال اللقاء، قال وزير الدفاع الأفغاني محمد يعقوب إن “أفغانستان وروسيا تربطهما علاقات طويلة وتاريخية”، مضيفاً: “نريد أن نمضي قدماً في هذا المسار، وقد وسّعنا علاقاتنا الثنائية”.
ويأتي هذا الاتفاق بعد تصريحات لمسؤول أمني روسي رفيع أكد فيها أن موسكو أقامت “شراكة كاملة” مع حكومة طالبان في أفغانستان، وأنها تشجع دول المنطقة على توسيع التعاون مع كابل، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
واستعادت طالبان السيطرة على أفغانستان في أغسطس 2021، بعد انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة برئاسة أشرف غني، وانسحاب القوات الأمريكية من البلاد بعد وجود عسكري استمر نحو 20 عاماً.
وأشارت “فوكس نيوز” إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد تحدث عام 2021 عن احتمال رفع تصنيف طالبان من قائمة التنظيمات الإرهابية في روسيا، قبل أن يصف الحركة لاحقاً، في عام 2024، بأنها “حليف في مكافحة الإرهاب”.
وفي تطور لافت، أصبحت روسيا أول دولة تعترف رسمياً بـ”إمارة أفغانستان الإسلامية” التي أعلنتها طالبان، وهو اعتراف اعتبره مراقبون خطوة رمزية وسياسية أكثر من كونه تحركاً قائماً على اعتبارات اقتصادية أو تجارية مباشرة.
وقال نيكيتا سماغين، الخبير في السياسات الإيرانية الداخلية والخارجية والإسلام السياسي وسياسة روسيا في الشرق الأوسط، في تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن روسيا “بعد سنوات من التردد، أصبحت أول دولة في العالم تعترف رسمياً بحكومة طالبان في أفغانستان”.
وأضاف سماغين، بحسب التقرير، أن هذه الخطوة “تبدو أقرب إلى إشارة رمزية منها إلى قرار مدفوع بالتجارة أو الحسابات الاقتصادية”، موضحاً أنه عندما دخل مقاتلو طالبان العاصمة كابل في أغسطس 2021، كانت روسيا قد حصلت بالفعل على “معاملة خاصة”.
ولفت الخبير إلى أن البعثة الدبلوماسية الروسية في كابل حظيت بحماية فورية بعد سيطرة طالبان، كما أصبح السفير الروسي دميتري جيرنوف أول دبلوماسي أجنبي يلتقي الحكام الجدد في أفغانستان، في مؤشر مبكر على استعداد موسكو للتعامل مع الواقع السياسي الجديد.
وفي السياق ذاته، دعا سيرغي شويغو، الأربعاء، الدول الغربية إلى الإفراج عن الأصول الأفغانية المجمدة الخاضعة للعقوبات، معتبراً أن على الغرب تحمل مسؤولية ما جرى في أفغانستان بعد وجوده العسكري الطويل في البلاد.
وقال شويغو، وفق ما نقلته تقارير إعلامية: “نحن مقتنعون بأن الدول الغربية يجب أن تفرج عن الأصول الأفغانية المجمدة، وأن تعترف بالكامل بمسؤوليتها عن وجودها الذي استمر 20 عاماً في أفغانستان، وأن تتحمل عبء إعادة إعمار البلاد بعد النزاع”.
وبحسب تحليل سماغين في تقرير كارنيغي، فإن موسكو تحتاج إلى خطوات تعيد تقديمها كقوة مؤثرة تمتلك زمام المبادرة، ويخدم الاعتراف بنظام طالبان هذا الهدف تحديداً. وأضاف أن كون روسيا أول دولة تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع حكومة طالبان يمنحها موقعاً متقدماً في نقاشات الأمن الإقليمي.
ورأى الخبير أن الاعتراف الروسي بطالبان يمثل محاولة من موسكو لإثبات نفسها كقوة عالمية قادرة على كسر القواعد الراسخة وصناعة سوابق سياسية قد تلحق بها دول أخرى لاحقاً.
وتواصل موسكو، وفق ما أوردته “رويترز”، التأكيد على ضرورة العمل المباشر مع كابل في ظل تهديدات أمنية مستمرة مصدرها جماعات إسلامية مسلحة منافسة تنشط في مناطق مختلفة من آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
وكان شويغو قد قال، في تصريحات نقلتها رويترز في 14 مايو، إن روسيا تبني “حواراً عملياً” مع طالبان يشمل الأمن والتجارة والثقافة والدعم الإنساني، في إشارة إلى أن العلاقة بين الجانبين لم تعد مقتصرة على الاتصالات السياسية، بل تتجه إلى شراكة أوسع متعددة المسارات.
ويعكس اتفاق التعاون العسكري بين روسيا وطالبان مرحلة جديدة في علاقة موسكو بكابل، في وقت تسعى فيه روسيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة التحديات الأمنية على حدود آسيا الوسطى، بينما تبحث طالبان عن اعتراف دولي أوسع وشركاء قادرين على كسر عزلتها السياسية والاقتصادية.
اقرأ المزيد
رمزية الزي الأفغاني في الكرملين رسالة سيادة وتحدٍ دبلوماسي من كابول لموسكو
خطة “الهروب إلى موسكو”: هل تلحق قيادات إيران ببشار الأسد بعد تعثر مفاوضات واشنطن؟
طبول الحرب في كابول.. الطيران الباكستاني يقصف العاصمة الأفغانية ويعلن مقتل 228 مقاتلاً!

