وطن-تجد باكستان نفسها مجدداً في قلب ضغوط أمريكية متصاعدة تدفع نحو توسيع «اتفاقات أبراهام» وضم مزيد من الدول الإسلامية إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، غير أن إسلام آباد لا تزال تتمسك بموقفها التقليدي الرافض للاعتراف بإسرائيل قبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وبحسب تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى ربط أي تسوية إقليمية جديدة، تشمل إنهاء الحرب مع إيران، بتوسيع اتفاقات أبراهام بشكل “إلزامي”، داعياً دولاً مثل باكستان والسعودية وقطر وتركيا إلى الانضمام المتزامن إلى مسار التطبيع مع إسرائيل.
وجاءت تصريحات ترامب بعد لقاءات مع عدد من القادة الإقليميين، من بينهم قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث اعتبر أن توسيع الاتفاقات سيمثل “تسوية تاريخية” للمنطقة.
لكن الرد الباكستاني جاء سريعاً وحاسماً. فقد أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن بلاده لن تنضم إلى أي مبادرة تتعارض مع “المبادئ الأساسية” لباكستان، مشدداً على أن إسلام آباد لم تتخذ أي خطوات باتجاه التطبيع مع إسرائيل.
ويعود الموقف الباكستاني الرافض لإسرائيل إلى تأسيس الدولة عام 1947، حيث ارتبطت السياسة الخارجية الباكستانية تاريخياً بدعم القضية الفلسطينية ورفض الاعتراف بإسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا يقتصر الأمر على الاعتبارات الدبلوماسية فقط، بل يرتبط أيضاً بعوامل داخلية معقدة تجعل أي خطوة نحو التطبيع شديدة الحساسية سياسياً وشعبياً.
فبحسب محللين تحدثوا لـ«ميدل إيست آي»، تختلف باكستان عن بعض دول الخليج التي وقعت اتفاقات أبراهام، إذ تتمتع بساحة سياسية وإعلامية أكثر حيوية وتنافساً، حيث تؤثر الأحزاب الدينية ووسائل الإعلام والرأي العام ومنظمات المجتمع المدني بشكل مباشر في قضايا السياسة الخارجية.
وقال محمد إصرار مدني، رئيس مجلس البحوث الدولية للشؤون الدينية في إسلام آباد، إن البيئة السياسية الباكستانية “أكثر تعقيداً بكثير من الأنظمة الخليجية”، موضحاً أن أي حكومة يُنظر إليها على أنها تخلت عن القضية الفلسطينية ستواجه رد فعل شعبي وسياسي واسع.
كما ترتبط القضية الفلسطينية في الخطاب الباكستاني بملف كشمير، حيث ترى إسلام آباد أن القضيتين تتشابهان من حيث حق تقرير المصير والاحتلال والنزاع الدولي، ما يجعل الاعتراف بإسرائيل من دون تسوية فلسطينية يُنظر إليه داخلياً باعتباره تناقضاً سياسياً وأخلاقياً.
ويأتي الجدل الحالي في وقت تسعى فيه باكستان إلى لعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الوثيقة بالسعودية والصين، وهو توازن دبلوماسي تعتبره إسلام آباد بالغ الحساسية.
وحذر مسؤولون وخبراء باكستانيون من أن الانضمام إلى اتفاقات أبراهام قد يخلق توترات داخلية ويؤثر في علاقة البلاد مع إيران، فضلاً عن تهديد الاستقرار السياسي الداخلي.
وقال السفير الباكستاني السابق لدى إيران والإمارات، آصف دراني، إن السلام الإقليمي لا يمكن فرضه عبر “الضغوط أو الصفقات السياسية”، بل يحتاج إلى تقدم حقيقي في القضية الفلسطينية وضمانات أمنية متبادلة وخفض التصعيد مع إيران.
وفي خلفية المشهد، يبقى الموقف السعودي عاملاً مؤثراً في الحسابات الباكستانية. فالسعودية تُعد أحد أهم الحلفاء الاستراتيجيين لإسلام آباد، سواء من الناحية الاقتصادية أو الدينية أو الأمنية.
ويرى مراقبون أن أي تغير محتمل في الموقف الباكستاني تجاه إسرائيل سيكون مرتبطاً إلى حد كبير بموقف الرياض، خصوصاً أن السعودية لا تزال تؤكد رسمياً أن التطبيع يجب أن يرتبط بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
غير أن الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023 جعلت أي حديث عن التطبيع أكثر تعقيداً داخل العالم الإسلامي. فقد أدت صور الدمار وسقوط آلاف الضحايا المدنيين إلى تراجع التأييد الشعبي للتقارب مع إسرائيل في عدد كبير من الدول الإسلامية.
وفي باكستان، أظهرت استطلاعات رأي أن الغالبية الساحقة من السكان تتعاطفون مع الفلسطينيين، بينما يرفض معظمهم إقامة علاقات مع إسرائيل في ظل استمرار الحرب والاحتلال.
ويرى محللون أن الضغوط الأمريكية الحالية قد تستمر، خصوصاً مع اعتبار توسيع اتفاقات أبراهام أحد أبرز مشاريع ترامب السياسية في الشرق الأوسط، إلا أن فرص انضمام باكستان تبدو ضعيفة في المدى المنظور.
وبين الحسابات الإقليمية المعقدة، والغضب الشعبي من الحرب في غزة، وارتباط القضية الفلسطينية بالهوية السياسية الباكستانية، يبدو أن “الخط الأحمر” الذي رسمته إسلام آباد تجاه إسرائيل لا يزال قائماً بعد أكثر من سبعة عقود على تأسيس الدولة.
اقرأ المزيد
أخطر تسريب سياسي في باكستان.. وثيقة سرية تكشف دور أمريكا في إسقاط عمران خان
الوسيط المسلّح.. كيف توازن باكستان بين نشر طائراتها وجنودها في السعودية ووساطتها مع إيران؟
تبادل “الفيتو الصامت”.. لماذا يربط ترامب هدنة إيران بفرض اتفاقات أبراهام على السعودية والخليج؟

