وطن-في مشهد يعكس حجم الأزمة الأمنية والدينية المتفاقمة في نيجيريا، كشف تقرير حديث صادر عن اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية أن نحو 30 ألف مسلح من الفولاني، ومعظمهم من المسلمين، ينشطون داخل البلاد، وسط تصاعد مقلق في أعمال العنف وانتهاكات الحرية الدينية، خصوصاً ضد المجتمعات المسيحية في مناطق الوسط والجنوب.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” الأمريكية، في تقرير أعده بول تيلسلي من جوهانسبرغ، إن التقرير الجديد للجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية يرسم صورة قاتمة للوضع في نيجيريا، حيث تسببت أعمال العنف المنسوبة إلى مسلحي الفولاني في أكبر عدد من القتلى بين مختلف الطوائف الدينية خلال العام الماضي، مقارنة بهجمات جماعات التمرد المنظمة والعصابات الإجرامية.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز” نقلاً عن تقرير اللجنة، فإن مسلحي الفولاني، الذين يُشار إليهم تقليدياً بوصفهم رعاة ماشية، استهدفوا بشكل متكرر مجتمعات زراعية مسيحية في منطقة الحزام الأوسط، وبدأت هجماتهم تمتد بصورة متزايدة إلى جنوب نيجيريا. وشملت هذه الهجمات إحراق منازل وكنائس، إلى جانب عمليات خطف واغتصاب وقتل.
ويأتي هذا التقرير في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن المسيحيين في نيجيريا يواجهون واحدة من أخطر موجات العنف الديني في العالم، خصوصاً مع تكرار الهجمات على قرى ذات غالبية مسيحية خلال الأعياد والمناسبات الدينية مثل عيد الميلاد وعيد القيامة.
وذكرت “فوكس نيوز” أن جنازات أقيمت في يوليو 2025 لنحو 27 مسيحياً قيل إنهم قتلوا على يد مسلحين من قبائل الفولاني في قرية بيندي بولاية بلاتو النيجيرية، في واقعة جديدة أضيفت إلى سلسلة طويلة من الهجمات التي تستهدف القرى المسيحية في البلاد.
لكن الصحيفة نقلت عن خبير سابق في مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية تحذيره من أن الأساليب العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة بالتعاون مع القوات الحكومية النيجيرية ضد جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم داعش في شمال نيجيريا، لن تكون فعالة بالضرورة في التعامل مع مسلحي الفولاني في المناطق الوسطى ذات الأغلبية المسيحية.
وقال ستيرلينغ تيلي، المدير السابق بالإنابة في مكتب مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية، والذي عمل سابقاً في نيجيريا، إن التدخل العسكري في الصراع بين المزارعين والرعاة “ليس خياراً مستحسناً”، لأنه قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار داخل البلاد. وأضاف، بحسب فوكس نيوز، أن هناك خطوات يمكن اتخاذها للحد من العنف، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية نيجيرية حقيقية.
وتشهد مناطق مثل ولاية بينوي احتجاجات واسعة عقب الهجمات الدامية على القرى ذات الأغلبية المسيحية. ووفقاً لما نقلته الصحيفة، خرج شباب نيجيريون في يونيو 2025 للتنديد بعمليات القتل بعد هجوم مميت نفذه مسلحون من الفولاني على قرى مسيحية، وأسفر عن مقتل 218 شخصاً ونزوح نحو 6 آلاف آخرين.
وفي السياق ذاته، أشارت فوكس نيوز إلى تصريحات أدلى بها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث هذا الأسبوع، قال فيها إن الرئيس دونالد ترامب استجاب قبل نحو عام لنداءات مسيحيي نيجيريا الذين كانوا يتعرضون للاستهداف والقتل على يد تنظيم داعش، وطلب تركيز الجهود على كل ما من شأنه حماية هؤلاء المسيحيين.
ويشكل المسيحيون نحو 48% من سكان نيجيريا، وهي أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، وتعيش منذ سنوات على وقع صراعات متداخلة بين العوامل الدينية والعرقية والاقتصادية، خصوصاً في مناطق التماس بين المجتمعات الزراعية المستقرة ومجموعات الرعاة المتنقلة.
وبحسب تقرير اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية، فإن مسلحي الفولاني نفذوا في كثير من الأحيان عملياتهم خلال أعياد مسيحية مثل عيد الميلاد وعيد القيامة، بهدف تعظيم الأثر النفسي للهجمات وإرهاب المجتمعات المحلية ومنعها من التجمع للاحتفال أو أداء الشعائر الدينية. وأضاف التقرير أن المهاجمين يرددون أحياناً شعارات ذات دلالات دينية خلال الهجمات، من بينها “الله أكبر”.
غير أن التقرير أشار أيضاً إلى أن المسلمين لم يكونوا بمنأى عن العنف. فقد أوضحت اللجنة، وفق ما أوردته فوكس نيوز، أن مسلحي الفولاني هاجموا كذلك رعاة آخرين للاستيلاء على ماشيتهم، واعتدوا بعنف على مجتمعات مسلمة غير فولانية، ما يعكس تعقيد المشهد الأمني وعدم اختزاله بالكامل في بعد ديني واحد.
وتعود جذور الأزمة في نيجيريا إلى تداخل صراعات قديمة على الأراضي والمياه ومسارات الرعي مع تصاعد التطرف الديني وضعف الدولة في بعض المناطق. ومع ذلك، تؤكد منظمات دولية أن المسيحيين في الحزام الأوسط وجنوب البلاد أصبحوا هدفاً متكرراً لهجمات دامية، وسط مطالب متزايدة بتوفير حماية فعالة لهم ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
ونقلت “فوكس نيوز” عن هنريتا بليث، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “الأبواب المفتوحة” في المملكة المتحدة وأيرلندا، وهي منظمة معنية بتسليط الضوء على اضطهاد المسيحيين، قولها إن “العنف الذي يمارسه مسلحون من قبيلة الفولاني يفوق بكثير العنف الصادر عن جماعات أخرى مثل بوكو حرام أو تنظيم داعش في غرب أفريقيا”.
وأضافت بليث أن منظمتها لم تشارك في إعداد تقرير اللجنة الأمريكية، لكنها استمعت إلى شهادات مؤلمة من رجال ونساء شاهدوا أفراداً من عائلاتهم يُقتلون أمام أعينهم أو يُقتادون إلى حياة من العبودية. ووصفت الوضع بأنه شديد التعقيد، لكنها شددت على أن المسيحيين يظلون من أكثر الفئات هشاشة وتعرضاً للاستهداف، ويدفعون ثمناً باهظاً “بالدم”.
وقالت بليث، بحسب الصحيفة الأمريكية، إن من التبسيط القول إن كل الجناة تحركهم دوافع دينية فقط، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المسيحيين في نيجيريا بحاجة ماسة إلى الحماية، وأن مئات الآلاف ممن أُجبروا على ترك منازلهم يحتاجون إلى فرصة للتعافي وإعادة بناء حياتهم.
كما انتقد تقرير اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية استجابة السلطات الفدرالية وسلطات الولايات في نيجيريا للعنف الذي تنفذه ميليشيات الفولاني، مشيراً إلى أن الانتقادات الموجهة للحكومة وصفت تعاملها مع الأزمة بأنه “غير مرضٍ في أفضل الأحوال، ومتواطئ في أسوأ الأحوال”.
وفي قراءة سياسية للمشهد، قال ستيرلينغ تيلي لـفوكس نيوز إن نيجيريا تستعد لإجراء انتخابات العام المقبل، وإن الفولاني يشكلون كتلة انتخابية ذات تأثير سياسي معتبر. واعتبر أن الحكومة النيجيرية تبدو مترددة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف العنف، خشية خسارة قاعدة دعم مهمة في الشمال والحزام الأوسط.
وتعكس هذه المعطيات حجم التحدي الذي تواجهه نيجيريا، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع الحسابات الانتخابية والانقسامات الدينية والعرقية. وبينما تتزايد الدعوات الدولية لحماية المسيحيين ووقف هجمات ميليشيات الفولاني، يبقى الاختبار الحقيقي أمام السلطات النيجيرية في قدرتها على فرض القانون ومحاسبة الجناة من دون إشعال مزيد من التوتر في بلد يعيش على خطوط صدع معقدة.
اقرأ المزيد
زلزال في باماكو وسقوط كيدال.. كيف فجّرت عمليات ’القاعدة” وطعنات الطوارق أمن مالي والتحالف الروسي؟

