وطن-في تصعيد جديد يعمّق أزمة الثقة بين إسرائيل والأمم المتحدة، أدرج تقرير أممي حديث إسرائيل ضمن الجهات التي تُظهر قواتها نمطاً من استخدام العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بما في ذلك الاغتصاب والتعذيب الجنسي ضد فلسطينيين، غالبيتهم من المعتقلين. وأثار التقرير، الذي نُشر علناً الجمعة، غضباً واسعاً في تل أبيب، وصل إلى إعلان إسرائيل وقف تعاونها مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن التقرير السنوي للأمم المتحدة حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات وثّق 31 حالة مؤكدة من العنف الجنسي الذي استخدمته قوات إسرائيلية ضد فلسطينيين منذ عام 2023، بينها حالات اغتصاب واغتصاب جماعي ومحاولات اغتصاب واعتداءات على الأعضاء التناسلية. ووفق التقرير، كان من بين الضحايا عشرة قُصّر.
ويضع التقرير إسرائيل على قائمة دول وجهات اتُّهمت قواتها الأمنية أو العسكرية باتباع نمط من استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي ضد محتجزين أو مجموعات ضعيفة. وكان غوتيريش قد حذّر العام الماضي من احتمال إدراج إسرائيل في التقرير، بعدما وضعها “تحت المراقبة” بسبب عدم منح محققي الأمم المتحدة وصولاً كافياً لإجراء التحقيقات.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن الأمم المتحدة سبق أن وثقت على مدى السنوات الماضية اتهامات تتعلق بالعنف الجنسي الإسرائيلي ضد فلسطينيين، خصوصاً في تقرير صدر في مارس 2025 وتحدث عن استخدام “منهجي” لهذه الممارسات في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، ثم في تقرير آخر في يوليو أشار إلى نمط من “الضرب على الأعضاء التناسلية” و”الحروق”.
وجاء رد إسرائيل سريعاً وحاداً. فبعد اطلاع بعثتها لدى الأمم المتحدة على نسخة داخلية من التقرير في وقت سابق من الأسبوع، أعلنت الخميس أنها لن تواصل العمل مع غوتيريش. وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون إنه “وضع الأمين العام عند حدّه” خلال اتصال هاتفي، قبل أن يكتب على منصة “إكس”: “لقد انتهينا منك يا أنطونيو غوتيريش”.
وأضاف دانون لاحقاً، في تصريحات لقناة i24 الإسرائيلية، أن إدراج جنود إسرائيليين “في القائمة نفسها مع إرهابيي حماس الذين ارتكبوا جرائم السابع من أكتوبر” أمر غير مقبول، قائلاً: “هناك خط، وقد قررنا أن هذا يكفي”.
وقالت “ميدل إيست آي” إن وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت نتائج التقرير بأنها “مشينة وعبثية”، معتبرة أن الأمم المتحدة “منظمة مسيّسة وفاسدة تخلت عن مبادئها التأسيسية وتستهدف إسرائيل بشكل منهجي باعتباره مهمتها الأساسية”. وأضافت الوزارة أن إسرائيل قررت “قطع جميع العلاقات مع مكتب الأمين العام” إلى حين تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة. وتنتهي ولاية غوتيريش الحالية في 31 ديسمبر المقبل.
في المقابل، تمسكت الأمم المتحدة بتقريرها. وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، رداً على طلب تعليق من “ميدل إيست آي”، إن “الأمين العام متمسك بتقريره، وقد صدر التقرير ولم يعد مفتوحاً للتعديل”. وكان دوجاريك قد أكد للصحفيين في إفادة سابقة أن “باب غوتيريش لا يزال مفتوحاً أمام ممثلي إسرائيل”.
كما دخلت الولايات المتحدة على خط الجدل، إذ انتقد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز التقرير، واصفاً موقف المنظمة بأنه “سخيف” لأنها، بحسب قوله، “وضعت بلد ديمقراطي مثل إسرائيل، لديه حكم قانون قوي ويُجري تحقيقات ويُحاسب المجرمين، في المستوى نفسه مع منظمات إرهابية”.
ويفصل التقرير الأممي، وفق ما نقلته ميدل إيست آي، طبيعة الانتهاكات التي تم التحقق منها، مشيراً إلى أنها شملت “الاغتصاب، بما في ذلك باستخدام أدوات، والاغتصاب الجماعي، ومحاولات الاغتصاب، والعنف الجسدي ضد الأعضاء التناسلية، وحالات إطلاق نار متعمد على الأعضاء التناسلية، ولمس الصدر والأعضاء التناسلية، وعمليات تفتيش عارٍ وتفتيش تجاويف دون مبرر أمني واضح، والتعرية القسرية، والتهديد بالاغتصاب”.
وأوضح غوتيريش في التقرير أن الجهات المتورطة، بحسب النتائج الأممية، تمتد عبر مؤسسات أمنية إسرائيلية عدة، من بينها قوات الجيش الإسرائيلي، ومصلحة السجون الإسرائيلية، وقوات “كيتير” الخاصة، ووحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة الإسرائيلية المعروفة باسم “يمام”.
وأشار التقرير إلى أن الانتهاكات وقعت في عدد من مواقع التحقيق والاحتجاز، بينها معسكرات عسكرية مثل “سدي تيمان” و”عتصيون” و”مجنونة”، إضافة إلى قاعدة عسكرية أخرى لم يتم تحديد اسمها. كما وردت اتهامات بوقوع اعتداءات في سجون إسرائيلية عدة، منها مجدو، وعوفر، والرملة، وهشارون، وشطة، ونفحة، والدامون، إلى جانب مركز شرطة غوش عتصيون.
وبحسب التقرير الذي أوردت تفاصيله ميدل إيست آي، فإن بين الناجين من هذه الانتهاكات صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان. ولفت التقرير إلى أن العنف الجنسي ضد المعتقلات شمل غالباً التهديد بالاغتصاب، والتعرية القسرية، واللمس غير المرغوب فيه، وعمليات التفتيش العاري المهينة أو الحاطة بالكرامة من دون مبرر واضح.
أما الرجال والفتيان، بحسب التقرير، فقد استُهدفوا بعمليات اغتصاب ومحاولات اغتصاب وعنف ضد الأعضاء التناسلية، ما أدى إلى إصابة خمسة من الضحايا الذكور بنزيف شرجي حاد أو تورم استمر أياماً أو أسابيع، وفي بعض الحالات من دون تلقي علاج طبي.
وأشار غوتيريش إلى أن الحكومة الإسرائيلية واصلت منع هيئات الأمم المتحدة المختصة من الوصول لإجراء التحقيقات اللازمة. كما لفت التقرير إلى أن حركة حماس “لم تعترف بأي حوادث عنف جنسي، ولم تقدم التزامات أو تتخذ تدابير لمعالجة الانتهاكات”.
وأكد الأمين العام، وفق ما نقلته ميدل إيست آي، أنه لا توجد لوائح اتهام معروفة داخل إسرائيل ضد إسرائيليين متهمين باغتصاب فلسطينيين. ويأتي ذلك وسط انتقادات حقوقية متكررة لإسرائيل بسبب منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منذ سنوات، من تفقد أوضاع المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية.
ويتزامن التقرير الأممي مع جدل أثاره مقال بارز نشره الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز نيكولاس كريستوف في وقت سابق من الشهر الجاري، تناول فيه شهادات عن اعتداءات جنسية وحشية تعرض لها فلسطينيون، من بينها استخدام كلاب في الاعتداء عليهم، وإدخال أجسام غريبة، وتمزيق المستقيم بالعصي.
وكتب كريستوف في مقاله أن “أموال دافعي الضرائب الأميركيين تدعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وبالتالي فإن هذا عنف جنسي تكون الولايات المتحدة متواطئة فيه”. وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية بسرعة، ووصفت المقال بأنه “فرية دم”، فيما تصاعدت دعوات داخل إسرائيل وخارجها تطالب نيويورك تايمز بسحب المقال والاستغناء عن كريستوف.
وفي منشور لاحق على منصة “إكس”، قال كريستوف إنه إذا زار السفير الأميركي ناجين من الاغتصاب أمام الكاميرات، وإذا جرى ربط نقل الأسلحة بوقف الاعتداءات الجنسية، فإن ذلك يمكن أن يبعث برسالة أخلاقية وعملية مفادها أن العنف الجنسي غير مقبول أياً كانت هوية الضحية. وأضاف أن البداية يمكن أن تكون بضمان عدم تعرض الفلسطينيين الذين تجرأوا على الإدلاء بشهاداتهم للمقال لمزيد من التنكيل بسبب شجاعتهم، في إشارة إلى السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي.
ويفتح التقرير الأممي الجديد باباً واسعاً أمام مزيد من الضغوط الدولية على إسرائيل بشأن ملف المعتقلين الفلسطينيين والانتهاكات داخل السجون ومراكز التحقيق، في وقت ترفض فيه تل أبيب النتائج وتتهم الأمم المتحدة بالتحيز السياسي. وبين تمسك غوتيريش بتقريره وإعلان إسرائيل قطع التواصل مع مكتبه، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها.
اقرأ أيضاً
أبارتهايد قضائي.. إسرائيل تُفعّل قانون إعدام الفلسطينيين في الضفة وتستثني المستوطنين..
تهجير حي البستان: كيف تستخدم إسرائيل “الحدائق التوراتية” لمحو الوجود الفلسطيني في سلوان؟
تحت رشق الحجارة وحماية الجيش.. مستوطنو “سانور” يطاردون الجثامين الفلسطينية في جنين

