وطن-كشفت تحقيقات سورية أولية عن واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في ملف المفقودين والمختفين قسرياً في سوريا، بعدما أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أن الأطفال الستة للطبيبة وبطلة الشطرنج رانيا العباسي قُتلوا بعد اختفائهم مع والديهم قبل أكثر من 13 عاماً خلال حكم الرئيس السابق بشار الأسد.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن قضية رانيا العباسي وعائلتها ظلت طوال السنوات الماضية رمزاً لمعاناة آلاف العائلات السورية التي تبحث عن مصير أبنائها، خصوصاً الأطفال الذين اختفوا داخل منظومة الاعتقال والانتهاكات التي ارتبطت بالأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق.
وذكرت وزارة الداخلية السورية، في بيان نشرته عبر منصة “إكس”، أن التحقيقات التي أُجريت مع عدد من الموقوفين أظهرت وجود معلومات وأدلة تشير إلى أن أطفال رانيا العباسي قُتلوا على يد مجموعات وميليشيات مرتبطة بالنظام السابق. وأضافت الوزارة أن الجهود لا تزال مستمرة للعثور على رفات الأطفال وتحديد مكان دفنهم.
وبحسب ما أوردته ميدل إيست آي، فإن البيان أشار إلى أن مقاطع مصورة ومعلومات مرتبطة بالقضية، قدمتها الهيئة الوطنية للمفقودين، عززت الأدلة التي جمعتها الجهات المختصة خلال التحقيقات. كما أكدت وزارة الداخلية أنه تم إبلاغ عائلة العباسي بالنتائج قبل الإعلان عنها للرأي العام، التزاماً ببروتوكول يهدف إلى صون حق العائلة في المعرفة والحفاظ على كرامتها.
وكانت رانيا العباسي شخصية معروفة في سوريا، فهي طبيبة أسنان وبطلة شطرنج حصدت ألقاباً سورية وعربية، كما عُرفت بمواقفها المعارضة لحكومة الأسد. وفي مارس 2013، داهمت قوات تابعة للنظام منزل العائلة في دمشق، واعتقلت رانيا مع زوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة، الذين كانت أعمارهم حينها تتراوح بين عامين و14 عاماً.
وقالت الصحيفة البريطانية إن اختفاء العائلة تحوّل إلى واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بالاختفاء القسري في سوريا، حيث واصلت منظمات حقوقية وأقارب ناجون طوال أكثر من عقد المطالبة بالكشف عن مصيرهم. وأصبحت قصة رانيا العباسي وأطفالها تجسيداً لمعاناة أطفال المعتقلين والمختفين قسرياً خلال سنوات حكم الأسد.
وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الأولية كشفت عن “تورط مباشر” لأمجد يوسف، وهو أحد أبرز المتورطين في مجزرة حي التضامن بدمشق عام 2013، في قتل أطفال رانيا العباسي. ويُعد يوسف، وهو ضابط سابق في الاستخبارات، من الأسماء التي ارتبطت بواحدة من أكثر الجرائم توثيقاً خلال الحرب السورية.
وبحسب ميدل إيست آي، فإن مقاطع مجزرة التضامن التي سُرّبت عام 2022 أظهرت مدنيين معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي وهم يُقادون إلى حفرة في حي التضامن جنوبي دمشق قبل إطلاق النار عليهم. وكان من بين الضحايا، وفق التوثيقات، سبع نساء و15 طفلاً. وقد تحولت تلك المقاطع، التي صوّرها المنفذون أنفسهم، إلى أدلة وثائقية مهمة على جرائم حرب ارتُكبت في عهد الأسد.
وكانت القوات الحكومية السورية قد ألقت القبض على أمجد يوسف في أبريل الماضي في منطقة سهل الغاب بريف حماة، خلال عملية أمنية. وبعد توقيفه، نشرت وزارة الداخلية تسجيلاً مصوراً اعترف فيه يوسف بالمشاركة في قتل نحو 40 شخصاً، قائلاً إنه نفذ ذلك بمبادرة شخصية منه.
وفي مقطع مصور متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قال حسن العباسي، شقيق رانيا العباسي: “أخيراً رأيناهم… لكنهم كانوا شهداء”. وأضاف أن العائلة تمكنت من التعرف إلى الأطفال عبر تسجيل مصور يظهر فيه أمجد يوسف وهو يدخل غرفة مظلمة، ويتهم عدداً من الأطفال بأنهم “من كبار ممولي الإرهاب”.
كما نقلت الصحيفة أن حسن العباسي قال، في مقابلة حديثة مع قناة العربية، إن الأطفال قُتلوا في اليوم نفسه الذي اعتُقلوا فيه، مشيراً إلى أن معظم عمليات القتل نُفذت خنقاً باستخدام أسلاك بلاستيكية.
ولا يزال مصير رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن ياسين غير مؤكد رسمياً حتى الآن. وتقول منظمات حقوقية إنهما ربما قُتلا أيضاً، لكن جثمانيهما لم يُعثر عليهما، ولم تصدر معلومات رسمية حاسمة بشأن مكان وجودهما أو ظروف اختفائهما.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه ملف المفقودين في سوريا من أعقد الملفات الإنسانية والحقوقية بعد سنوات الحرب. فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اختفى قسرياً أكثر من 177 ألفاً و57 شخصاً في سوريا بين مارس 2011 وأغسطس 2025، بينهم 4536 طفلاً و8984 امرأة.
وتعيد قضية أطفال رانيا العباسي فتح الجرح الأوسع للمفقودين السوريين، إذ لا تبحث العائلات فقط عن أسماء أو أرقام في سجلات المعتقلات، بل عن رفات وأجوبة وحقيقة طال انتظارها. ومع استمرار التحقيقات، تبقى هذه القضية واحدة من أبرز الشواهد على حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين والأطفال في سوريا خلال عهد النظام السابق.
اقرأ المزيد
تحقيق نيويورك تايمز يكشف مخطط جيش الظل في سوريا وتمويل رامي مخلوف وتحركات سهيل الحسن
تحقيق واشنطن بوست يكشف دعم إسرائيل السري لميليشيا درزية في سوريا بعد سقوط الأسد لمنع توحيد البلاد

