وطن-تتجه الأنظار داخل حلف شمال الأطلسي إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث قد تتحول قمة الناتو المرتقبة في يوليو المقبل إلى واحدة من أكثر القمم حساسية وتأثيراً منذ عقود، في ظل إشارات متضاربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وإمكانية إعادة رسم العلاقة الأمنية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نقلاً عن مصادر متعددة مطلعة على محادثات جرت بين الجانبين، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ نظيره التركي رجب طيب أردوغان بأنه يعتزم حضور قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة خلال يوليو، في خطوة قد تحمل دلالات سياسية وعسكرية واسعة بالنسبة لمستقبل التحالف الغربي.
وبحسب ما أورده الموقع، فإن ترامب أبدى خلال اتصال هاتفي مع أردوغان في 20 مايو نبرة مختلفة عن تصريحاته السابقة بشأن الناتو، مؤكداً أنه سيزور أنقرة للمشاركة في الاجتماع. وتأتي هذه الإشارة بعد أسابيع من تصريحات مثيرة للجدل قال فيها ترامب، في أبريل الماضي، إنه يدرس بجدية انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، معبراً عن استيائه من أداء الحلف.
اتصالات متكررة بين أردوغان وترامب
وكشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث مع ترامب عدة مرات خلال الشهر الماضي، موضحاً أن الرئيس الأمريكي لم يلمح في أي من تلك الاتصالات إلى أنه لن يحضر قمة الناتو في أنقرة.
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن هذه الاتصالات المتكررة بين أردوغان وترامب تعكس محاولة تركية لتثبيت حضور الرئيس الأمريكي للقمة، خاصة أن تركيا تستضيف اجتماعاً قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة داخل الحلف، في وقت يواجه فيه الناتو تساؤلات غير مسبوقة بشأن التزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا.
وتشير بعض التقارير، وفقاً للموقع، إلى أن أردوغان يأمل أيضاً في لقاء ترامب في مدينة لوس أنجلوس خلال مباراة الولايات المتحدة وتركيا في كأس العالم، والمقرر إقامتها في 25 يونيو. غير أن المصادر المطلعة أوضحت أن أي زيارة من هذا النوع لم تُحسم بعد.
وقالت مصادر لموقع “ميدل إيست آي” إن أردوغان يحرص عادة على حضور مباريات المنتخب التركي دعماً له، وفي حال توجهه إلى لوس أنجلوس، فقد يسعى إلى لقاء ترامب ومتابعة المباراة معه. لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه لا يوجد قرار نهائي بشأن سفر الرئيس التركي إلى الولايات المتحدة لحضور المباراة.
وعد أمريكي بزيارة تركيا
ويرى مسؤولون أن ترامب قد يفي هذه المرة بتعهده بزيارة تركيا، خصوصاً أن أردوغان سبق أن زار واشنطن خلال الولاية الأولى والثانية لترامب، فيما كان الرئيس الأمريكي قد وعد برد الزيارة. ومع ذلك، لا تزال حالة من الحذر تسيطر على التقديرات الدبلوماسية بسبب طبيعة قرارات ترامب المفاجئة.
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي” عن مسؤولين مطلعين، فإن ترامب معروف باتخاذ قرارات سريعة وغير متوقعة، ولذلك لم يتم تثبيت الزيارة بصورة نهائية حتى الآن. وأشار الموقع إلى أنه تواصل مع البيت الأبيض للحصول على تعليق بشأن خطط الرئيس الأمريكي لحضور قمة الناتو في أنقرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت أرسل فيه ترامب منذ بداية العام إشارات متناقضة حول السياسة العسكرية الأمريكية في أوروبا. ففي حين أعلن عزمه إرسال 5 آلاف جندي أمريكي إلى بولندا، كان قد أمر قبل ذلك بأسابيع بسحب العدد نفسه من القوات الأمريكية من أوروبا، ما زاد من حالة الغموض داخل العواصم الأوروبية بشأن التوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية.
قمة قد تكون الأهم منذ عقود
وتقول مصادر أوروبية إن أهمية قمة الناتو في أنقرة تصاعدت بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة، ليس فقط بسبب احتمال حضور ترامب، بل أيضاً لأنها قد تشهد نقاشات صريحة حول مستقبل الدور الأمريكي داخل الحلف، ومستوى التزام واشنطن بحماية أوروبا من التهديدات الخارجية.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن مسؤول أوروبي قوله: “إذا حضر ترامب، فقد نشهد فوضى ومواجهات كلامية حادة. لكن إذا لم يحضر، فسيكون ذلك ضاراً بمستقبل الحلف”. وتعكس هذه العبارة حجم القلق الأوروبي من كلا السيناريوهين، سواء شارك الرئيس الأمريكي بما يحمله من مواقف صدامية، أو غاب بما قد يرمز إلى تراجع الالتزام الأمريكي بالناتو.
ويرى مسؤولون أوروبيون آخرون أن قمة أنقرة قد تكون الأهم منذ عقود، لأنها تأتي في مرحلة لم تعد فيها الولايات المتحدة ترسل رسائل مطمئنة إلى حلفائها كما كان يحدث في السابق. فالتصريحات الأمريكية الأخيرة فتحت الباب أمام تساؤلات كبرى حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل حماية أوروبا في مواجهة المخاطر الخارجية، أم أنها تتجه نحو تقليص دورها العسكري تدريجياً.
روتّه وقادة أوروبا أمام اختبار إقناع ترامب
ومن المتوقع أن يسعى الأمين العام لحلف الناتو مارك روتّه، إلى جانب عدد من القادة الأوروبيين، إلى إقناع ترامب بأهمية الحلف بالنسبة للأمن عبر الأطلسي، وبأن وجود الولايات المتحدة في أوروبا لا يخدم الأوروبيين وحدهم، بل يعزز أيضاً النفوذ الأمريكي العالمي ويمنع خصوم واشنطن من استغلال أي فراغ استراتيجي.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن بعض الدبلوماسيين الأوروبيين باتوا يتعاملون مع التحولات التي بدأها ترامب باعتبارها قد تقود إلى نتيجة يصعب تجنبها، وهي تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. وفي هذه الحالة، يرى هؤلاء أن أفضل ما يمكن لتركيا، بصفتها الدولة المضيفة للقمة، وبقية الحلفاء فعله هو مطالبة واشنطن بخريطة طريق واضحة لأي انسحاب محتمل، بحيث يكون تدريجياً ومنظماً لا مفاجئاً وفوضوياً.
ونقل الموقع عن دبلوماسي أوروبي قوله: “نحتاج إلى إطار جديد يمكنه استيعاب رغبات ترامب وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات أوروبا الأمنية. لكن ذلك سيستغرق سنوات”. وتعكس هذه الرؤية محاولة أوروبية للبحث عن صيغة توازن بين واقع سياسي أمريكي متغير، وحاجة القارة الأوروبية إلى ضمانات أمنية طويلة الأمد.
أنقرة في قلب الحسابات الأطلسية
وتكتسب استضافة تركيا لقمة الناتو أهمية خاصة، نظراً لموقعها الجيوسياسي ودورها داخل الحلف، إضافة إلى علاقاتها المعقدة مع واشنطن والعواصم الأوروبية. فأنقرة تسعى إلى تقديم نفسها كطرف قادر على إدارة حوار صعب بين الولايات المتحدة وأوروبا، في مرحلة تزداد فيها التباينات داخل التحالف الأطلسي.
وتشير تقديرات أوردها “ميدل إيست آي” إلى أن حضور ترامب قمة الناتو في أنقرة، إن تم فعلاً، سيجعل الاجتماع محطة مفصلية لا تقتصر على البيانات الرسمية المعتادة، بل قد تمتد إلى نقاشات حادة بشأن الإنفاق الدفاعي، ومستقبل القوات الأمريكية، وحدود التزام واشنطن بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف المتعلقة بالدفاع الجماعي.
وفي ظل استمرار الغموض حول قرار ترامب النهائي، تبقى قمة الناتو في أنقرة اختباراً مبكراً لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فالحضور الأمريكي قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية مباشرة داخل الحلف، بينما قد يرسل الغياب إشارة أكثر خطورة بشأن تراجع المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها أوروبا لعقود.
اقرأ المزيد
يلدريم خان”: هل يقلب صاروخ تركيا العابر للقارات موازين القوى في الشرق الأوسط؟
“تركيا دولة عدو”.. تصريحات ميكي زوهار تفجّر أزمة دبلوماسية حادة بين أنقرة وتل أبيب
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية

