وطن-في تطور مفاجئ يعكس تحولات عميقة داخل خريطة النفوذ الإقليمي في اليمن، بدأت تقارير محلية ومصادر عسكرية تتحدث عن انتشار جنود باكستانيين في مدينة المكلا ومحيط المنشآت الاستراتيجية بمحافظة حضرموت، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت إسلام آباد تستعد فعلاً لوراثة الدور الإماراتي في واحدة من أغنى وأهم المحافظات اليمنية.
أصبح المشهد الذي بدا قبل أشهر مستبعداً، اليوم محور نقاش سياسي وأمني متصاعد، خاصة مع تراجع النفوذ الإماراتي في حضرموت، وظهور ترتيبات جديدة يُعتقد أن السعودية تقودها لإعادة تشكيل موازين القوى في شرق اليمن.
جنود باكستانيون في المكلا
بحسب مصادر عسكرية ومحلية، شوهد خلال الأيام الماضية عناصر وجنود باكستانيون في مدينة المكلا، إضافة إلى مناطق قريبة من مطار الريان وحقول النفط والمنشآت الحيوية في حضرموت.
وتحدثت تقارير عن تحركات ميدانية شملت مواقع كانت تُدار سابقاً ضمن النفوذ الإماراتي، ما دفع كثيرين إلى الربط بين الحضور الباكستاني الجديد وبين الفراغ الذي خلفه تراجع أبوظبي عن المشهد الحضرمي خلال الأشهر الماضية.
وعلى الرغم من غياب إعلان رسمي واضح من إسلام آباد أو الرياض، فإن تزامن هذه التحركات مع إعادة ترتيب القوات الحكومية في حضرموت عزز فرضية وجود اتفاق غير معلن لإسناد أدوار أمنية وعسكرية جديدة لباكستان داخل المحافظة.
لماذا حضرموت بالتحديد؟
لا تُعد حضرموت مجرد محافظة يمنية عادية، بل تمثل ثقلاً استراتيجياً واقتصادياً بالغ الأهمية في مستقبل البلاد.
فالمحافظة الواقعة شرق اليمن تشكل أكثر من ثلث مساحة البلاد، وتضم الجزء الأكبر من الثروات النفطية والمعدنية، إضافة إلى موقع جغرافي حساس يطل على بحر العرب ويمنحها أهمية أمنية وتجارية كبيرة.
ويعتبر كثير من المراقبين أن من يسيطر على حضرموت يمتلك ورقة حاسمة في أي معادلة سياسية أو عسكرية تخص اليمن مستقبلاً.
ولهذا السبب، تحولت المحافظة خلال السنوات الماضية إلى ساحة تنافس إقليمي غير معلن، خصوصاً بين السعودية والإمارات، قبل أن تبدأ التوازنات بالتغير تدريجياً.
هل انتهى الدور الإماراتي؟
طوال سنوات الحرب اليمنية، لعبت الإمارات دوراً محورياً في حضرموت، سواء عبر النفوذ العسكري أو عبر تشكيل ودعم قوات محلية وبناء شبكات أمنية وسياسية واسعة.
لكن الأشهر الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً لهذا الحضور، وسط حديث عن تفكك البنية العسكرية والسياسية التي بنتها أبوظبي داخل المحافظة.
ويرى محللون أن السعودية تحاول الآن ملء الفراغ بطريقة مختلفة، عبر الاستعانة بحليف عسكري خارجي يتمتع بعلاقات قوية مع الرياض وقادر على لعب دور أمني دون الدخول في صدامات محلية مباشرة.
وهنا يبرز اسم باكستان، التي تمتلك تاريخاً طويلاً من التعاون العسكري مع السعودية، إضافة إلى حاجتها الاقتصادية المتزايدة للدعم الخليجي.
مهمة مؤقتة أم بداية نفوذ دائم؟
حتى الآن، لا توجد معلومات رسمية دقيقة حول طبيعة مهمة القوات الباكستانية في حضرموت. لكن مصادر مطلعة تتحدث عن أدوار تتجاوز مجرد التدريب العسكري، لتشمل حماية المنشآت النفطية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وإعادة تنظيم بعض الوحدات العسكرية التابعة للحكومة اليمنية.
كما يرى مراقبون أن الرياض قد تسعى إلى بناء نموذج نفوذ جديد أقل إثارة للجدل من التجربة الإماراتية السابقة، خصوصاً بعد التوترات التي شهدتها بعض المناطق الجنوبية نتيجة تضارب الولاءات والصراعات المحلية.
وفي المقابل، تلتزم باكستان الصمت الرسمي، وهو ما يزيد من الغموض المحيط بحجم انتشار قواتها وحدود مهامها الحقيقية.
ما الذي تكسبه باكستان؟
ظهور باكستان المفاجئ في قلب المعادلة اليمنية، يفتح الباب أيضاً أمام تساؤلات حول المقابل السياسي والاقتصادي الذي قد تحصل عليه إسلام آباد.
فالبلاد تواجه منذ سنوات أزمة اقتصادية خانقة، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الخليجي، وخاصة السعودي.
ويرى محللون أن المشاركة في تأمين حضرموت قد تكون جزءاً من تفاهمات أوسع تشمل الدعم المالي والاستثمارات والتعاون الاستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد.
كما أن باكستان قد تنظر إلى وجودها في المنطقة باعتباره فرصة لتعزيز حضورها الجيوسياسي في أحد أهم الممرات البحرية والطاقة في العالم.
إعادة رسم خريطة النفوذ في اليمن
ما يجري اليوم في حضرموت يبدو أكبر من مجرد تحركات عسكرية محدودة، إذ يعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة النفوذ الإقليمي داخل اليمن.
فبعد سنوات كانت فيها الإمارات اللاعب الأكثر حضوراً في جنوب اليمن وشرقه، تبدو السعودية الآن أكثر ميلاً لإدارة الملف بشكل مباشر أو عبر حلفاء جدد.
ويبقى السؤال الأهم: هل الوجود الباكستاني مجرد قوة مؤقتة لحماية المنشآت النفطية وتأمين الترتيبات الجديدة؟ أم أن المنطقة تشهد بالفعل بداية انتقال استراتيجي يجعل إسلام آباد وريثة للدور الإماراتي في حضرموت؟
الإجابة قد تتضح خلال الأشهر المقبلة، لكن المؤكد أن حضرموت أصبحت مجدداً في قلب صراع النفوذ الإقليمي، وأن مستقبل اليمن لن يُرسم بعيداً عن حقول النفط وموانئ الشرق اليمني.
اقرأ المزيد
مافيا الوسطاء وعقود الموت.. تقرير بريطاني يكشف كواليس تجنيد الحرس الجمهوري اليمني في معارك روسيا
من المساجد إلى الجبهات: كيف أصبح السلفيون “القوة الضاربة” والعمود الفقري للجيش اليمني؟
فضيحة تهريب الزبيدي تكشف تورط اللواء عوض الأحبابي ودور الإمارات في الصراع اليمني

