وطن-خلف الاجتماعات الدبلوماسية والتصريحات الهادئة بين السعودية والولايات المتحدة، تدور واحدة من أكثر المعارك حساسية في الشرق الأوسط، عنوانها: تخصيب اليورانيوم داخل المملكة.
فبينما تسعى الرياض منذ سنوات إلى انتزاع حقها في تطوير دورة وقود نووي كاملة على أراضيها، بما يشمل تخصيب اليورانيوم، تتمسك دوائر نافذة داخل واشنطن برفض منح السعودية هذا الامتياز، خوفاً من تداعياته الاستراتيجية على توازنات المنطقة ومستقبل الانتشار النووي.
لم تعد القضية مجرد خلاف تقني حول الطاقة النووية السلمية، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني شديد التعقيد، تتداخل فيه حسابات السيادة والطاقة والنفوذ الإقليمي وأمن إسرائيل ومستقبل الشرق الأوسط النووي.
السعودية: التخصيب حق سيادي
تؤكد السعودية باستمرار أن برنامجها النووي يهدف إلى إنتاج الطاقة وتنويع مصادر الاقتصاد، ضمن رؤية طويلة المدى لتقليل الاعتماد على النفط.
لكن الرياض تصر في الوقت نفسه على أن أي اتفاق نووي مع واشنطن يجب أن يتضمن حقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، باعتبار ذلك جزءاً من السيادة الوطنية وحقاً مشروعاً تكفله القوانين الدولية.
وترى المملكة أن امتلاك دورة الوقود النووي محلياً يمنحها استقلالية استراتيجية ويجنبها الارتهان الكامل للخارج في تأمين الوقود النووي لمحطاتها المستقبلية.
كما تشير تقارير إلى أن السعودية تمتلك احتياطيات واعدة من اليورانيوم يمكن أن تجعلها لاعباً مهماً في سوق الطاقة النووية مستقبلاً.
واشنطن تتمسك بـ”المعيار الذهبي”
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة فرض ما يُعرف بـ”المعيار الذهبي” في أي تعاون نووي مع السعودية.
وهذا الشرط يعني التزام الدولة المتعاونة بالتخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية الأمريكية والدعم الفني.
تعتبر الولايات المتحدة أن هذا النموذج هو الضمانة الأساسية لمنع تحول البرامج النووية المدنية إلى مشاريع عسكرية مستقبلاً.
وقد قبلت الإمارات بهذا الشرط عام 2009 عندما وقعت اتفاقها النووي مع واشنطن، وهو ما منح أبوظبي لاحقاً صورة “النموذج الموثوق” في التعاون النووي السلمي داخل المنطقة.
لكن السعودية ترفض السير في الطريق نفسه، وتعتبر أن قبول هذا القيد يعني التخلي عن أحد أهم عناصر السيادة التقنية والاستراتيجية.
لماذا تخشى أمريكا التخصيب السعودي؟
لا يرتبط القلق الأمريكي فقط بالسعودية نفسها، بل بما قد يترتب على منحها هذا الحق.
فواشنطن تخشى أن يؤدي السماح للرياض بتخصيب اليورانيوم إلى فتح الباب أمام سباق نووي إقليمي، حيث قد تطالب دول أخرى في الشرق الأوسط بالحصول على الامتياز ذاته.
كما تخشى الإدارة الأمريكية أن تتحول القدرات النووية السعودية مستقبلاً إلى ورقة استراتيجية يمكن استخدامها في بيئة إقليمية شديدة التقلب، خاصة مع استمرار التوتر مع إيران وتصاعد المنافسة الجيوسياسية في المنطقة.
ويشير مراقبون إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها في موقف معقد، فهي تضغط منذ سنوات على إيران بسبب تخصيب اليورانيوم، بينما تواجه الآن مطالب مشابهة من أحد أهم حلفائها في الخليج.
إسرائيل تراقب بقلق
إسرائيل بدورها تنظر بحساسية شديدة إلى أي برنامج نووي عربي متقدم، حتى لو كان تحت عنوان “الاستخدامات السلمية”.
وعلى الرغم من التقارب غير المعلن بين الرياض وتل أبيب في ملفات إقليمية عدة، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تخفي قلقها من امتلاك السعودية بنية تحتية نووية متطورة قد تمنحها مستقبلاً قدرات استراتيجية كبيرة.
ويرى محللون أن جزءاً من الضغوط الأمريكية يرتبط أيضاً بالرغبة في طمأنة إسرائيل ومنع ظهور أي قوة نووية جديدة في المنطقة خارج السيطرة الغربية المباشرة.
مقارنة مع الإمارات
المقارنة مع الإمارات أصبحت حاضرة بقوة في النقاش الأمريكي. فأبوظبي قبلت بالقيود الأمريكية منذ البداية، وهو ما منحها أفضلية سياسية واستراتيجية في علاقتها مع واشنطن، وسهّل حصولها على تعاون نووي واسع دون إثارة مخاوف كبيرة.
أما السعودية، فتسعى إلى نموذج مختلف يمنحها صلاحيات أوسع واستثناءات خاصة لا تتمتع بها دول أخرى في المنطقة.
وهنا يرى بعض المراقبين أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بمنع الانتشار النووي، بل أيضاً بمنع السعودية من الحصول على امتيازات استراتيجية قد تغيّر موازين القوة داخل الخليج والشرق الأوسط.
هل تنجح الرياض في انتزاع استثناء خاص؟
حتى الآن، لا تبدو المعركة محسومة. فالسعودية تملك أوراق ضغط قوية، سواء عبر ثقلها الاقتصادي أو دورها الجيوسياسي أو شراكاتها المتنامية مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن رفض المطالب السعودية بشكل كامل قد يدفع الرياض للبحث عن بدائل خارج المظلة الأمريكية.
لذلك تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى اختبار طويل بين رغبة سعودية في تثبيت حق سيادي نووي، ومحاولة أمريكية لمنع تحول هذا الحق إلى سابقة قد تعيد رسم المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط بأكمله.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة حول اليورانيوم فقط، بل حول سؤال أكبر:
من يملك حق رسم مستقبل القوة والتوازنات النووية في المنطقة؟
اقرأ المزيد
تركي الفيصل: السعودية أحبطت مخططاً إسرائيلياً لجرّ المملكة إلى حرب مع إيران
تحالف إسرائيلي إماراتي يثير القلق في الخليج.. هل بدأت معركة النفوذ الكبرى ضد السعودية وإيران؟

