وطن-في وقت تبدو فيه دولة الإمارات مستقرة سياسياً واقتصادياً من الخارج، تكشف تقارير غربية متزايدة عن تحولات عميقة تجري داخل هرم الحكم في أبوظبي، يقودها الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بهدف إعادة ترتيب موازين القوة داخل العائلة الحاكمة، وتمهيد الطريق أمام نجله خالد ليكون الرجل الأقوى في الدولة خلال المرحلة المقبلة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد لم يعد مجرد وريث تقليدي للسلطة، بل أصبح لاعباً مركزياً يدير ملفات استراتيجية تتعلق بالأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية والاستثمارات السيادية، في مؤشر واضح على انتقال تدريجي ومنظم للنفوذ داخل النظام السياسي الإماراتي.
صعود متسارع لخالد بن محمد
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد حضور خالد بن محمد بن زايد بشكل لافت داخل مؤسسات الدولة الحساسة، حيث أُسندت إليه مسؤوليات واسعة تتجاوز الدور البروتوكولي المعتاد لولي العهد.
وبحسب التقرير، يشرف خالد اليوم على ملفات ترتبط بالصناديق السيادية العملاقة التي تدير تريليونات الدولارات، إضافة إلى حضوره المتزايد في ملفات الأمن القومي والاستثمار والعلاقات الدولية.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع في الصلاحيات لا يأتي بشكل عفوي، بل ضمن خطة طويلة المدى يقودها محمد بن زايد لإعداد نجله لقيادة الدولة مستقبلاً، ومنحه خبرة عملية مباشرة في إدارة أكثر الملفات حساسية داخل الإمارات.
إعادة توزيع النفوذ داخل العائلة الحاكمة
بالتوازي مع صعود خالد، شهدت السنوات الماضية إعادة ترتيب واضحة للمناصب والنفوذ داخل الأسرة الحاكمة في أبوظبي.
فقد جرى تعيين الشيخ طحنون بن زايد نائباً لحاكم أبوظبي ورئيساً لهيئة أبوظبي للاستثمار، بينما تولى الشيخ منصور بن زايد منصب نائب رئيس الدولة إلى جانب رئاسته لشركة مبادلة السيادية.
وعلى الرغم من أن هذه التعيينات عززت حضور الإخوة في المشهد الرسمي، فإن محللين يرون أنها في الوقت نفسه ساهمت في إعادة ضبط مراكز القوة بطريقة تمنع تشكل أقطاب متنافسة قد تعيق مشروع انتقال السلطة مستقبلاً إلى خالد بن محمد.
ويعتقد مراقبون أن محمد بن زايد يسعى إلى بناء نموذج حكم أكثر مركزية، يقوم على حصر القرار النهائي داخل دائرة ضيقة يقودها شخصياً، تمهيداً لنقل هذه الصلاحيات تدريجياً إلى نجله.
لماذا يثير الأمر حساسية داخل الأسرة؟
تطرح التغييرات الجارية داخل هرم السلطة الإماراتي تساؤلات حول طبيعة التوازنات التقليدية داخل عائلة آل نهيان، التي اعتمدت لعقود على توزيع النفوذ بين عدد من الأجنحة والشخصيات البارزة.
وبحسب تقرير فايننشال تايمز، فإن بعض أجنحة العائلة بدأت تُظهر حالة من التململ مع تزايد تهميش شخصيات كانت تاريخياً جزءاً من مراكز القرار السياسي والاقتصادي.
ويرى محللون أن الانتقال من نموذج “الحكم العائلي التوافقي” إلى نموذج أكثر تركيزاً حول ولي العهد الجديد قد يخلق حساسيات داخلية، حتى وإن بقيت بعيدة عن الواجهة الإعلامية في الوقت الحالي.
استراتيجية لتأمين انتقال السلطة
اعتبر الباحث في شؤون الخليج كريستيان كوتس أولريكسن، أن منح خالد ملفات اقتصادية ومالية وأمنية واسعة يعكس استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تمكينه داخلياً وتعزيز شرعيته السياسية قبل أي انتقال رسمي للسلطة.
وبحسب محللين، فإن محمد بن زايد يحاول تفادي سيناريوهات الصراع على النفوذ التي شهدتها بعض الأنظمة الملكية والجمهورية في المنطقة، عبر ضمان انتقال مبكر ومنظم للسلطة والنفوذ إلى نجله قبل حدوث أي فراغ سياسي مستقبلي.
كما أن تعاظم دور خالد يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتطلب – من وجهة نظر القيادة الإماراتية – وجود مركز قرار قوي ومتماسك قادر على إدارة الملفات الاقتصادية والأمنية الحساسة.
الإمارات بين الاستقرار وإعادة تشكيل الحكم
على الرغم من أن الإمارات تبدو واحدة من أكثر دول المنطقة استقراراً، فإن التحولات الجارية داخل هرم السلطة تكشف أن الدولة تعيش عملية إعادة تشكيل سياسية هادئة ولكن عميقة.
فمشروع محمد بن زايد لا يقتصر فقط على نقل الحكم إلى الجيل التالي، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف شكل السلطة داخل أبوظبي، وتقليص احتمالات تعدد مراكز القرار مستقبلاً.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح محمد بن زايد في تمرير مشروع خلافة نجله خالد بسلاسة كاملة داخل العائلة الحاكمة؟ أم أن تقليص نفوذ بعض الأجنحة التاريخية قد يؤدي لاحقاً إلى توترات وتحديات غير متوقعة داخل النظام الإماراتي؟
حتى الآن، تبدو الأمور تحت السيطرة، لكن ما يجري داخل أبوظبي يشير بوضوح إلى أن الإمارات تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأساسي: تركيز السلطة حول وريث واحد ومركز قرار واحد.
اقرأ المزيد
تقرير: الإمارات سعت لرد عسكري خليجي موحد بعد الضربات الإيرانية.. والسعودية وقطر ترفضان التصعيد

