وطن-في وقت تحاول فيه سوريا الجديدة إعادة ترميم حضورها الدبلوماسي عربياً بعد سقوط نظام بشار الأسد، برزت القاهرة كواحدة من أكثر العواصم تحفظاً في التعامل مع التمثيل الدبلوماسي السوري الجديد، وسط تقارير تتحدث عن رفض مصري غير معلن للسفير السوري المقترح، وتعثر استكمال البعثة الدبلوماسية السورية في مصر.
سرعان ما القضية التي بدأت كخلاف بروتوكولي حول اسم سفير، تحولت إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، خصوصاً مع تصاعد التساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين القاهرة ودمشق بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، وما إذا كانت مصر تنظر بقلق إلى صعود شخصيات محسوبة على التيارات الثورية أو الإسلامية داخل المشهد السوري الجديد.
تحفظ مصري على السفير السوري الجديد
بحسب مصادر مصرية متداولة، فإن القاهرة لم تمنح حتى الآن موافقتها الرسمية على تعيين الدكتور محمد طه الأحمد سفيراً لسوريا لدى مصر، رغم تمسك دمشق بترشيحه وإصرارها على استكمال إجراءات اعتماده.
كما تحدثت التقارير عن تأخر إصدار التأشيرات لمعظم أعضاء الوفد الدبلوماسي السوري، من دون توضيحات رسمية كاملة من الجانب المصري، ما زاد من التكهنات حول وجود تحفظات سياسية وأمنية تتعلق ببعض الأسماء المطروحة للعمل داخل البعثة السورية في القاهرة.
وعلى الرغم من أن السلطات المصرية لم تعلن بشكل مباشر رفضها للسفير المقترح، فإن مصادر قريبة من ملف العلاقات بين البلدين تحدثت عن “رسائل غير رسمية” أبلغت من خلالها القاهرة دمشق بعدم ارتياحها لبعض الخلفيات السياسية المرتبطة بالمرشح.
لماذا يثير الملف حساسية في القاهرة؟
عادة لا يُنظر إلى قبول السفراء أو رفضهم كإجراء بروتوكولي فقط، بل يُعد مؤشراً سياسياً يعكس مستوى الثقة والتفاهم بين الدول.
وفي الحالة السورية، يبدو أن الملف يتجاوز مجرد اسم دبلوماسي، ليمس طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها سوريا بعد سقوط الأسد، وهو تحول تتابعه القاهرة بحذر شديد.
فمصر، التي خاضت خلال العقد الأخير مواجهة مفتوحة مع جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية، تنظر بحساسية إلى أي تغيرات إقليمية قد تعيد صعود قوى تعتبرها قريبة من الإسلام السياسي أو مناخات “الربيع العربي” التي ما زالت المؤسسة السياسية والأمنية المصرية تتعامل معها بوصفها تهديداً وجودياً.
ومن هنا، يرى مراقبون أن التحفظ المصري المحتمل على بعض الشخصيات السورية الجديدة قد يكون مرتبطاً بالخوف من انتقال توازنات سياسية جديدة إلى الإقليم، أو من تشكل محور سياسي مختلف في سوريا لا يتوافق بالكامل مع الرؤية المصرية الحالية.
دمشق تتمسك بـ”السيادة الدبلوماسية”
في المقابل، يبدو أن القيادة السورية الجديدة تتعامل مع الملف من زاوية سيادية، معتبرة أن اختيار السفراء والممثلين الدبلوماسيين حق حصري للدولة السورية، ولا ينبغي أن يخضع لضغوط أو شروط سياسية خارجية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن إصرار دمشق على الإبقاء على مرشحها الحالي يحمل رسالة سياسية مفادها أن سوريا الجديدة تريد إدارة علاقاتها الخارجية من موقع الندية، لا من موقع التبعية أو تقديم التنازلات.
كما أن التراجع عن المرشح بعد التحفظات المصرية قد يُفسَّر داخلياً بوصفه رضوخاً لضغوط إقليمية، وهو ما يبدو أن دمشق تحاول تجنبه في هذه المرحلة الحساسة.
هل تعيش العلاقات المصرية السورية مرحلة فتور؟
وعلى الرغم من استمرار الاتصالات الرسمية والزيارات المتبادلة بين البلدين، فإن أزمة السفير كشفت وجود تباينات أعمق تتعلق برؤية كل طرف للمرحلة المقبلة.
فالقاهرة تبدو حريصة على الحفاظ على علاقة مع دمشق، لكنها في الوقت نفسه تريد شراكة منضبطة وفق حساباتها الأمنية والإقليمية، بينما تسعى سوريا الجديدة إلى توسيع هامش استقلالها السياسي والدبلوماسي بعد سنوات طويلة من العزلة والحرب.
ويرى محللون أن الخلاف الحالي قد يكون مؤشراً على صراع غير معلن حول شكل الاصطفافات الإقليمية المقبلة، خاصة مع إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط بعد الحرب السورية وسقوط نظام الأسد.
الشارع السوري يتفاعل
أثار التحفظ المصري غير المعلن أيضاً موجة تفاعل داخل الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن القاهرة ما تزال تتعامل بحذر مفرط مع التحولات السورية الجديدة، بينما رأى آخرون أن من حق مصر التدقيق في الشخصيات التي ستعمل داخل بعثات دبلوماسية على أراضيها.
وفي المقابل، اعتبر بعض الناشطين أن الملف يعكس استمرار غياب الثقة الكاملة بين عدد من العواصم العربية والسلطة السورية الجديدة، رغم سقوط النظام السابق.
خلاف بروتوكولي أم أزمة أعمق؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على قطيعة بين القاهرة ودمشق، لكن أزمة السفير كشفت بوضوح أن العلاقات بين البلدين تمر بمرحلة دقيقة وحساسة.
ويبقى السؤال المطروح: هل يتعلق الأمر فعلاً بخلاف عابر حول اسم سفير، أم أن الملف يعكس مخاوف أعمق لدى القاهرة من التحولات التي تعيشها سوريا والمنطقة بأكملها؟
في كل الأحوال، تبدو قضية السفير السوري في مصر أكبر من مجرد أزمة دبلوماسية تقليدية، لأنها تعكس حجم القلق والتنافس وإعادة التموضع التي تشهدها المنطقة بعد سنوات من الزلازل السياسية والحروب.
اقرأ المزيد
«أطلقوا سراحهم وسنصمت».. هل تفتح مبادرة سيف الإسلام عيد باب “التسوية الإنسانية” في مصر؟
معركة السردية والوعي: لماذا تثير منصات التواصل قلق السلطات المصرية وسط الضغوط المعيشية؟
رجل ترامب القوي في الشرق الأوسط.. لماذا دمج البيت الأبيض ملفي سوريا والعراق تحت قيادة توم باراك؟

