وطن-في تحول سياسي قد يحمل تداعيات اقتصادية ودبلوماسية واسعة، تتزايد الضغوط داخل بريطانيا على حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر لاتخاذ خطوة غير مسبوقة تتمثل في حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في وقت تتجه فيه عدة دول أوروبية إلى تشديد إجراءاتها ضد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، فإن نواباً من أحزاب مختلفة، بينهم أعضاء بارزون في حزب العمال الحاكم، يدفعون باتجاه تبني سياسة أكثر صرامة تجاه المستوطنات الإسرائيلية، معتبرين أن استمرار التجارة معها يتناقض مع الموقف البريطاني الرسمي الذي يعتبر هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
تحول داخل حزب العمال
يتمثل التطور الأبرز في التغيير الملحوظ داخل حزب العمال نفسه. فقبل عامين فقط، كانت قيادة الحزب ترفض الحديث عن أي عقوبات أو مقاطعة مرتبطة بإسرائيل، لكن الموقف بدأ يتغير تدريجياً مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب في غزة وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية.
وتشير مصادر مقربة من الحكومة البريطانية إلى أن وزير شؤون الشرق الأوسط، هاميش فالكونر، أبلغ نواباً من حزب العمال خلال اجتماعات داخلية بأن حظر منتجات المستوطنات يعد خياراً مرغوباً فيه من حيث المبدأ، رغم أن القرار النهائي يبقى بيد رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تنامياً في الضغوط السياسية داخل الحزب الحاكم، خصوصاً من الجناح الذي يطالب بسياسة خارجية أكثر انسجاماً مع القانون الدولي وقرارات المحاكم الدولية.
ضغوط برلمانية متصاعدة
نجحت النائبة العمالية ابتسام محمد، العضو في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان البريطاني، في تأمين نقاش برلماني خاص حول حظر منتجات المستوطنات، في خطوة قد تزيد الضغط على الحكومة خلال الأسابيع المقبلة.
وتؤكد ابتسام محمد أن بريطانيا أصبحت متأخرة مقارنة بحلفائها الأوروبيين الذين بدأوا بالفعل اتخاذ خطوات عملية ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات.
وتستند المطالبات الجديدة إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، والذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، ودعا الدول إلى عدم تقديم أي دعم أو مساعدة تساهم في استمراره.
أوروبا تتحرك
لا تأتي الضغوط على لندن من الداخل فقط، بل أيضاً من التغيرات التي تشهدها القارة الأوروبية.
فقد طرحت فرنسا والسويد مؤخراً مبادرة داخل الاتحاد الأوروبي لتشديد الرقابة على منتجات المستوطنات، بينما اتخذت هولندا خطوات لمنع التجارة المرتبطة بالأراضي المحتلة.
ويرى مراقبون أن بريطانيا قد تفضل التحرك بالتنسيق مع دول أوروبية أخرى بدلاً من اتخاذ قرار منفرد، لتجنب أي تداعيات سياسية أو تجارية مباشرة.
مطالب بعقوبات أوسع
لم يكتفي عدد من النواب البريطانيين بالمطالبة بحظر منتجات المستوطنات فقط، بل يدعون إلى فرض عقوبات على الشخصيات والمنظمات المتورطة في توسيع الاستيطان.
وترى رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إميلي ثورنبيري، أن استمرار بناء المستوطنات يتطلب إجراءات اقتصادية مؤلمة لإسرائيل، تشمل منع استيراد المنتجات الاستيطانية وفرض عقوبات على الجهات المشاركة في المشروع الاستيطاني.
كما تطالب شخصيات سياسية أخرى بوقف أي مشاركة أو استثمارات بريطانية يمكن أن تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم المستوطنات.
الانتخابات والصراع داخل حزب العمال
يرتبط هذا التحول أيضاً بالحسابات السياسية الداخلية داخل بريطانيا. فملف غزة وإسرائيل أصبح من أكثر الملفات حساسية داخل حزب العمال، خاصة بعد خسارة الحزب جزءاً من قاعدته الانتخابية التقليدية بسبب موقفه من الحرب.
ويعتقد محللون أن أي سباق مستقبلي على قيادة الحزب قد يدفع المرشحين إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل لكسب تأييد القواعد الحزبية، التي تشير استطلاعات الرأي إلى أنها أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية من قيادة الحزب الحالية.
كما أن صعود أحزاب مثل حزب الخضر في الانتخابات المحلية الأخيرة زاد من الضغوط على قيادة العمال لإعادة النظر في سياساتها الخارجية.
هل تقترب لندن من قرار تاريخي؟
حتى الآن، لم تعلن حكومة كير ستارمر رسمياً نيتها حظر منتجات المستوطنات، لكنها تواجه ضغوطاً سياسية وبرلمانية متزايدة لاتخاذ هذه الخطوة.
ويرى مراقبون أن أي قرار من هذا النوع سيشكل تحولاً مهماً في العلاقات البريطانية الإسرائيلية، كما سيبعث برسالة قوية إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية.
ومع تزايد الضغوط الداخلية وتنامي التحركات الأوروبية، يبدو أن لندن تقترب أكثر من أي وقت مضى من مراجعة سياستها تجاه المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة قد تمثل بداية مرحلة جديدة في الموقف البريطاني من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
“دولة مارقة ومنبوذة”.. كيف فجرت رسائل وزير الصحة البريطاني المسرّبة حرباً داخل حكومة ستارمر؟
بسبب ضرب إيران.. ترامب يهاجم ستارمر والمعارضة البريطانية تطالب بالسيطرة على “قرار الحرب”
بركان غزة في صناديق إنجلترا: كيف حسم “التعهد من أجل فلسطين” زلزال انتخابات 2026 وأطاح بالعمال؟

