وطن-في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو إمكانية التوصل إلى اتفاق يضع حداً للمواجهة العسكرية والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، برز ملف التعويضات كواحد من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية على طاولة المفاوضات، ما دفع مراقبين إلى وصفه بـ”العقدة الأخيرة” التي قد تحدد مصير الاتفاق المنتظر.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الخلاف لم يعد يقتصر على الملف النووي أو مستقبل العقوبات أو أمن الملاحة في مضيق هرمز، بل بات مرتبطاً أيضاً بمطالب إيرانية تتعلق بالحصول على تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحرب الأخيرة، سواء على مستوى البنية التحتية أو الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الضربات العسكرية والعقوبات والحصار المفروض على بعض الموانئ والمنشآت الحيوية.
وتؤكد طهران أن أي تسوية شاملة يجب أن تتضمن معالجة آثار الحرب، معتبرة أن تجاهل ملف التعويضات يعني القفز فوق الخسائر التي تكبدتها البلاد خلال أشهر من المواجهة العسكرية. كما شدد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على أن إيران لن تتخلى عن حقها في المطالبة بالتعويضات، ما يعكس تمسك القيادة الإيرانية بهذا الملف باعتباره جزءاً من أي اتفاق نهائي.
في المقابل، تبدو واشنطن متحفظة للغاية تجاه هذه المطالب. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة لطالما رفضت الاعتراف بمسؤوليات قانونية أو مالية مباشرة عن نتائج العمليات العسكرية الخارجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصراعات معقدة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
ويشير خبراء في القانون الدولي إلى أن مبدأ “جبر الضرر” يعد من المبادئ المعترف بها في العلاقات الدولية، إذ يتيح للدول المتضررة المطالبة بتعويضات أو إجراءات إصلاحية عندما تتعرض لأضرار ناجمة عن أعمال غير مشروعة. غير أن تطبيق هذا المبدأ عملياً يواجه عقبات سياسية وقانونية كبيرة، خاصة عندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفاً في النزاع.
كما أن التاريخ الحديث لا يقدم سوابق كثيرة دفعت فيها الولايات المتحدة تعويضات مباشرة لدولة أخرى نتيجة حرب أو تدخل عسكري. وغالباً ما كانت التسويات تتم عبر اتفاقات سياسية أو اقتصادية أوسع تشمل رفع عقوبات أو الإفراج عن أموال مجمدة أو تقديم مساعدات غير مباشرة.
ويرى محللون أن فرص حصول إيران على تعويضات مالية أمريكية مباشرة لا تزال محدودة، لكن ذلك لا يعني استحالة التوصل إلى صيغة وسط. فقد تلجأ الأطراف إلى حلول بديلة تشمل تخفيف العقوبات الاقتصادية، أو السماح بوصول إيران إلى أصولها المجمدة في الخارج، أو تقديم حوافز اقتصادية واستثمارية يمكن أن تُقدم كجزء من تسوية أوسع.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية في ظل ارتباطه بأمن الطاقة العالمي. فاستمرار الخلاف قد ينعكس على استقرار الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يجعل أي تعثر في المفاوضات مصدر قلق للأسواق الدولية والدول المستوردة للطاقة.
ومع استمرار المحادثات غير المباشرة بين الطرفين، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تنجح الدبلوماسية في تجاوز عقدة التعويضات والوصول إلى اتفاق يخفف التوتر في الشرق الأوسط، أم أن هذا الملف سيتحول إلى سبب جديد يعرقل جهود التهدئة ويؤجل التسوية المنتظرة؟
الإجابة قد تحدد ليس فقط مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل أيضاً شكل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد
معادلة ترامب الصعبة: هل تطيح “شروط لبنان” بالصفقة النووية بعد زلزال مطار الكويت؟
روبيو أمام مجلس الشيوخ: لا تخفيف لعقوبات إيران بدون إنهاء التخصيب وسننزع ألغام مضيق هرمز بالقوة

