وطن-في عالم يطارد فيه الناس السعادة عبر المال والنجاح والمكانة الاجتماعية، يطرح الطبيب النفسي الإسباني رافائيل سانتاندرو رؤية مختلفة تمامًا: السعادة الحقيقية لا ترتبط بعمر محدد ولا بحدث استثنائي، بل تبدأ في اللحظة التي يغيّر فيها الإنسان طريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.
وبحسب ما نقلته مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية، يرى سانتاندرو أن أفضل مرحلة في حياة الإنسان لا تبدأ عند تحقيق ثروة كبيرة أو بلوغ منصب مرموق، وإنما عندما يتوقف عن التذمر الدائم ويبدأ في ملاحظة الجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة التي تحيط به كل يوم.
السعادة ليست مرتبطة بالعمر
يعتقد كثيرون أن الطفولة أو الشباب هما أكثر مراحل الحياة سعادة، لكن سانتاندرو يرى أن الأمر مختلف. فالسعادة، من وجهة نظره، ليست مرحلة زمنية بقدر ما هي حالة ذهنية تنشأ عندما يتبنى الإنسان طريقة أكثر توازنًا وإيجابية في التعامل مع الواقع.
ويؤكد أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الشخص عن التركيز على ما ينقصه، ويبدأ في تقدير ما يمتلكه بالفعل، سواء كان ذلك في العلاقات أو الصحة أو اللحظات اليومية البسيطة التي غالبًا ما تمر دون انتباه.
قوة اللحظة الحاضرة
تتوافق رؤية سانتاندرو مع أفكار الراهب البوذي الفيتنامي ثيش نهات هانه، صاحب كتاب «معجزة اليقظة الذهنية»، الذي اعتبر أن سر السعادة يكمن في القدرة على عيش اللحظة الحالية بوعي كامل.
فاحتساء فنجان قهوة بهدوء، أو الاستمتاع بمحادثة صادقة مع شخص قريب، أو مجرد التأمل في الطبيعة من حولنا، قد يكون أكثر قيمة من مطاردة أهداف بعيدة لا تنتهي.
ويرى هانه أن الإنسان غالبًا ما يقضي حياته في الاستعداد للمستقبل، لكنه ينسى أن يعيش الحاضر الذي يمر أمامه كل يوم.
ماذا تقول أكبر دراسة عن السعادة؟
وعلى الرغم من أهمية التفكير الإيجابي واليقظة الذهنية، تشير الأبحاث العلمية إلى أن السعادة لا تعتمد على عامل واحد فقط. فقد توصلت دراسة طويلة أجرتها جامعة هارفارد واستمرت 85 عامًا إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا في جودة الحياة والرضا النفسي هو العلاقات الإنسانية الجيدة.
وأوضح الباحث روبرت والدينغر، مدير دراسة هارفارد حول السعادة، أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات أسرية واجتماعية قوية يعيشون حياة أكثر استقرارًا وسعادة، كما يتعاملون مع الضغوط النفسية بصورة أفضل مقارنة بمن يعانون العزلة والوحدة.
السعادة بين الامتنان والعلاقات
تكشف هذه الرؤى النفسية والعلمية أن السعادة ليست مرتبطة بحساب مصرفي ضخم أو إنجاز استثنائي أو مرحلة عمرية معينة، بل تنبع من عنصرين أساسيين:
- تقدير اللحظة الحالية والعيش بوعي وامتنان.
- بناء علاقات إنسانية صحية وداعمة.
لذلك، قد تكون أسعد مرحلة في حياة الإنسان هي تلك اللحظة التي يتوقف فيها عن تأجيل الفرح إلى المستقبل، ويبدأ في الاستمتاع بما يملكه اليوم، ويمنح اهتمامه للأشخاص الذين يشاركونه الحياة.
اقرأ المزيد
مرآة الخذلان.. ماذا يكشف رد فعلك لحظة اكتشاف الكذب عن أسرار شخصيتك ونضجك العاطفي؟
هل السعادة في منتصف العمر وهمٌ علمي؟ دراسات جديدة تعيد رسم خريطة الرضا عبر مراحل الحياة

