وطن-لم تكد مصر تستوعب أصداء قضية وليد الغنيمي، الذي ظهر لسنوات في صورة جراح قلب بارز قبل أن تثار تساؤلات واسعة حول مؤهلاته الحقيقية، حتى انفجرت قضية جديدة أعادت إلى الواجهة ملف “الخبراء الوهميين” الذين يقدمون أنفسهم للجمهور بوصفهم أصحاب اختصاص وخبرة.
هذه المرة كان اسم منة ياسر، المعروفة إعلامياً باسم “كوتش منة”، في قلب الجدل. شخصية حققت انتشاراً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، وحصدت ملايين المشاهدات من خلال مقاطع تتناول الصحة والتغذية والعلاج ونمط الحياة، ما منحها حضوراً كبيراً وثقة لدى شريحة واسعة من المتابعين.
لكن المفاجأة جاءت مع تحرك الجهات المختصة وإغلاق المركز المرتبط بها، لتبدأ التحقيقات التي أثارت جدلاً واسعاً حول طبيعة المؤهلات التي تستند إليها في تقديم النصائح الصحية والمحتوى المرتبط بالعلاج والأمراض.
القضية أكبر من شخص واحد
قد تبدو القضية مرتبطة باسم معين أو واقعة محددة، لكنها في الواقع تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بالمشهد الإعلامي والرقمي بأكمله.
كيف أصبح عدد المتابعين معياراً للثقة يفوق أحياناً المؤهلات العلمية والخبرة المهنية؟
وكيف تحولت بعض المنصات إلى فضاء يمنح صفة “الخبير” لكل من يمتلك القدرة على جذب الجمهور، بغض النظر عن خلفيته الأكاديمية أو المهنية؟
في عالم التواصل الاجتماعي، لم يعد النجاح مرتبطاً دائماً بسنوات الدراسة أو الخبرة المتخصصة، بل أصبح الحضور الإعلامي والقدرة على صناعة المحتوى عاملين أساسيين في بناء النفوذ والتأثير.
صناعة الخبراء الجدد
أصبحت المنصات الرقمية بيئة تسمح بظهور شخصيات تقدم نفسها كمرجع في مجالات حساسة مثل الطب والتغذية والصحة النفسية والتدريب الشخصي.
وفي كثير من الحالات، ينجح هؤلاء في بناء قاعدة جماهيرية ضخمة من خلال أسلوب عرض جذاب ومحتوى مبسط ولغة قريبة من الجمهور.
المشكلة لا تكمن فقط في المحتوى نفسه، بل في قدرة بعض المتابعين على التمييز بين الرأي الشخصي والمعلومة العلمية الموثقة، وبين المؤهل الحقيقي والظهور الإعلامي المؤثر.
مسؤولية مشتركة
لا تقع المسؤولية على صناع المحتوى وحدهم، بل تمتد إلى الجهات والمنصات والبرامج التي تمنحهم مساحة للظهور دون تدقيق كافٍ في مؤهلاتهم وخبراتهم.
فحين يتم تقديم شخص ما للجمهور على أنه خبير أو مختص، فإن ذلك يخلق مستوى من الثقة قد يدفع بعض الأشخاص إلى اتباع نصائحه في قضايا تمس صحتهم وحياتهم بشكل مباشر.
وهنا تصبح المخاطر أكبر من مجرد معلومات خاطئة، لأن الأمر قد يؤثر في قرارات علاجية أو صحية يتخذها أفراد بناءً على ثقتهم بالمصدر.
أزمة الثقة في عصر المشاهدات
تكشف هذه القضايا عن تحوّل عميق في طريقة صناعة المصداقية داخل الفضاء الرقمي.
ففي السابق كانت الشهادات العلمية والخبرة المهنية تمثلان أساس الثقة، أما اليوم فقد أصبحت أعداد المشاهدات والمتابعين قادرة على منح أصحابها نفوذاً يفوق أحياناً تأثير المختصين الحقيقيين.
ومع تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، يزداد التحدي المتمثل في التحقق من المؤهلات والتمييز بين الخبرة الحقيقية والادعاءات غير المدعومة.
ما الدرس الذي يجب تعلمه؟
سواء تعلق الأمر بقضية وليد الغنيمي أو منة ياسر أو أي حالة أخرى، فإن الرسالة الأهم تبقى ضرورة التحقق من مصادر المعلومات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالصحة والعلاج.
فالثقة لا ينبغي أن تُبنى على عدد المتابعين أو جودة التصوير أو قوة الحضور الإعلامي، بل على التأهيل العلمي والخبرة المهنية والالتزام بالمعايير المعتمدة.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة تُصنع خلال أيام، يبقى الوعي النقدي والتحقق من المعلومات خط الدفاع الأول ضد سوق متنامية تبيع الوهم تحت لافتة الخبرة والمعرفة.
اقرأ أيضاً
أخطر قضية انتحال صفة في مصر.. كيف أجرى “جراح قلب مزعوم” عمليات لسنوات قبل كشف الحقيقة الصادمة؟
مصانع الوهم الرقمي.. كيف حوّلت خوارزميات فيسبوك وشركات الإنتاج “نظام الطيبات” إلى تجارة بالمرضى؟

