وطن-تحولت شوارع العاصمة الألبانية تيرانا، خلال الأسبوعين الماضيين، إلى مشهد احتجاجي لافت، بعدما رفع آلاف المتظاهرين مجسمات كرتونية لطائر الفلامنغو الوردي، الذي بات رمزاً غير رسمي لموجة غضب واسعة ضد حكومة رئيس الوزراء إيدي راما. وفي قلب هذه الاحتجاجات تقف صفقة مثيرة للجدل مع إحدى شركات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لتطوير جزيرة بكر قبالة الساحل الجنوبي لألبانيا وتحويلها إلى منتجع سياحي فاخر، وسط اتهامات بأن المشروع سيؤدي إلى تجريف محمية طبيعية حساسة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فإن الأزمة الحالية لا تتعلق بمشروع سياحي واحد فحسب، بل تعكس مساراً اقتصادياً وسياسياً أوسع اتبعه راما منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة قبل 12 عاماً، يقوم على فتح الباب أمام ما تسميه حكومته “المستثمرين الاستراتيجيين”، سواء من دول الخليج أو من الغرب، مقابل وعود بالاستثمار والنمو ورفع إيرادات الدولة.
وخلال سنوات حكمه، قدم راما نفسه باعتباره الزعيم القادر على إخراج ألبانيا من آثار المرحلة الشيوعية وما تلاها من ركود اقتصادي واجتماعي. وقد اعتمد في ذلك على سياسة تقوم عملياً على قبول معظم المشاريع الكبرى التي يمكن أن تجلب الأموال إلى البلاد، حتى لو أثارت اعتراضات بيئية أو سياسية أو شعبية.
وقالت الكاتبة الألبانية ليا يبي، في مقال نشرته صحيفة “الغارديان”، إن ألبانيا، التي لا تملك رأس مال صناعياً أو مالياً أو بشرياً كبيراً يمكنها عرضه في السوق العالمية، لم يبق أمامها سوى “بيع الطبيعة”. وهذه العبارة أصبحت تلخص، بالنسبة لكثير من المعارضين، جوهر الغضب المتصاعد من مشاريع التنمية التي يرون أنها تمنح الأرض والسواحل والمحميات بثمن سياسي واقتصادي باهظ.
لكن مشروع شركة كوشنر، وفق ما تكشفه التطورات الأخيرة، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة اتفاقات مثيرة للجدل أبرمتها حكومة راما خلال السنوات الماضية، في إطار محاولتها ترسيخ علاقاتها مع الشركاء الغربيين ودعم ملف انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويرفع راما منذ فترة شعار “الانضمام قبل 2030”، باعتباره هدفاً وطنياً وسياسياً محورياً، ساعده أيضاً في الحفاظ على حضوره داخل السلطة.
وتقول الصحيفة البريطانية إن راما استخدم ملف التقارب مع أوروبا بوصفه ركيزة أساسية في خطابه الداخلي، لكنه في المقابل وافق على ترتيبات اعتبرها منتقدوه باهظة الكلفة على ألبانيا، سواء على مستوى البيئة أو الأمن أو السيادة السياسية. ومن بين هذه الترتيبات اتفاق الهجرة مع إيطاليا، الذي أثار بدوره انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
ففي الوقت الذي تمكنت فيه إيفانكا ترامب، كما تشير الصحيفة، من السباحة إلى جزيرة في البحر المتوسط والوصول إليها حافية القدمين في مشهد بدا سياحياً ومترفاً، يجد آلاف المهاجرين الساعين إلى اللجوء في أوروبا أنفسهم اليوم محتجزين في منشآت داخل ألبانيا بموجب اتفاق مدته خمس سنوات وقعه راما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
ويقضي الاتفاق بأن تستضيف ألبانيا ما يصل إلى 3 آلاف مهاجر في وقت واحد، إلى حين البت في طلبات لجوئهم إلى الاتحاد الأوروبي. وقد قوبل الاتفاق بانتقادات حادة من منظمات حقوقية، رأت فيه محاولة لنقل أزمة الهجرة الأوروبية إلى دولة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي. في المقابل، أشادت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بالخطوة ووصفتها بأنها تفكير “خارج الصندوق”.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن ألبانيا، التي فقدت نحو 1.2 مليون من مواطنيها بسبب الهجرة، لم تحصل في المقابل على أكثر من ضمانات سياسية عامة بدعم إيطاليا لمسارها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي. وهو ما عزز شعور قطاعات من الألبان بأن بلادهم تقدم تنازلات كبيرة بحثاً عن اعتراف أوروبي لا يزال مؤجلاً.
ولا تقف قائمة الاتفاقات المثيرة للجدل عند ملف الهجرة. ففي عام 2013، توجهت الولايات المتحدة إلى حكومة راما بطلب مباشر يتعلق باستضافة عملية تدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية. وكانت ألبانيا قد نجحت قبل ذلك بسنوات في تدمير مخزونها الخاص من الأسلحة الكيميائية، بينما كانت واشنطن تبحث عن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي تستقبل أكثر من ألف قطعة من الأسلحة السورية، بينها غاز الخردل وغاز السارين.
غير أن الصفقة انهارت بعدما تسربت تفاصيلها إلى الصحافة، وخرج مواطنون ألبان للتعبير عن رفضهم لتحويل بلدهم إلى موقع للتخلص من أسلحة خطيرة. ومع أن الخطة لم تنفذ، فإن مجرد استعداد الحكومة للنظر فيها ترك أثراً سياسياً واضحاً، وفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود ما يمكن أن تقبله تيرانا في سبيل إرضاء حلفائها الكبار.
وأضافت الصحيفة أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يُطلب فيها من ألبانيا تحمل مخاطر تفوق حجمها السياسي والجغرافي خدمة لحليفها الأمريكي. فقد وسع راما أيضاً ترتيباً كان قد بدأ قبل عهده لاستضافة أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهي حركة عارضت نظام الشاه ثم عارضت الجمهورية الإسلامية في إيران.
ورغم أن استضافة مجاهدي خلق لم تثر في البداية رد فعل شعبي واسعاً كما حدث مع ملف الأسلحة الكيميائية السورية، فإن بعض الألبان تساءلوا عن سبب إقحام بلادهم في صراع إقليمي بعيد عنها آلاف الكيلومترات. وقد تعززت هذه المخاوف لاحقاً عندما بدأت إيران شن هجمات إلكترونية على أنظمة حكومية ألبانية حيوية.
وشملت الهجمات السيبرانية الإيرانية، وفق ما أوردته الصحيفة، تعطلاً واسعاً أصاب مؤسسات الدولة في عام 2022، ولم تتوقف هذه الهجمات منذ ذلك الحين، إذ سُجل أحدثها في مارس الماضي. وبالنسبة لمنتقدي الحكومة، فإن هذا الملف كشف أن القرارات الخارجية التي تتخذها تيرانا باسم التحالفات الدولية يمكن أن ترتد مباشرة على أمن المواطنين ومؤسسات الدولة.
في السابق، كان الاعتراض على رهانات راما السياسية والاقتصادية محدوداً نسبياً، أو يتوزع بين ملفات منفصلة لا تجمعها حركة شعبية واحدة. أما اليوم، فقد تغير المشهد. آلاف الأشخاص يخرجون إلى الشوارع رافعين شعاراً واحداً أصبح عنواناً للمرحلة: “ألبانيا ليست للبيع”.
ويبدو أن صفقة تطوير الجزيرة مع شركة مرتبطة بجاريد كوشنر كانت الشرارة التي وحدت ملفات متفرقة في غضب شعبي واحد: حماية الطبيعة، رفض بيع الأراضي والمحميات، الاعتراض على صفقات الهجرة، والقلق من تحميل البلاد أعباء أمنية وسياسية تفوق قدرتها.
وبحسب قراءة الصحيفة البريطانية، فإن الاحتجاجات الحالية قد تمثل نقطة تحول في علاقة الألبان بسياسة “نعم” التي اعتمدها راما طويلاً مع المستثمرين والحلفاء. فالمعادلة التي قامت على تقديم الأرض والطبيعة والمرونة السياسية مقابل وعود بالاستثمار والانضمام الأوروبي، تواجه الآن اختباراً شعبياً غير مسبوق.
ومع اتساع رمزية طائر الفلامنغو في شوارع تيرانا، لم تعد القضية مجرد نزاع بيئي حول منتجع فاخر، بل أصبحت سؤالاً وطنياً أوسع حول مستقبل ألبانيا: هل تكون التنمية على حساب الطبيعة والسيادة؟ وهل يمكن أن تتحول الرغبة في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي إلى سلسلة تنازلات داخلية وخارجية؟ أسئلة يطرحها الشارع اليوم بقوة، بينما يجد راما نفسه أمام واحدة من أكثر لحظات حكمه حساسية.
قد يعجبك
بـ “الفلامنغو الوردي”.. ألبانيا تشتعل في اليوم الرابع ضد “شاطئ كوشنر الفاخر” وجرافات راما

