وطن-منذ الإعلان عن الاتفاقيات الإبراهيمية، انصبّ الاهتمام على أبعادها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، باعتبارها إطاراً للتطبيع والتعاون بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. لكن مع مرور الوقت، ظهرت قراءات وتحليلات تتحدث عن أهداف أبعد من العلاقات الرسمية والتبادل التجاري، لتثير نقاشاً واسعاً حول الأبعاد الثقافية والدينية والجيوسياسية لهذه الاتفاقيات.
وفي هذا السياق، طرح الكاتب والباحث العسكري والاستراتيجي اللبناني الدكتور علي حمية مجموعة من المزاعم والقراءات التي وصفها بأنها تتجاوز مفهوم التطبيع السياسي التقليدي، لتشمل مشاريع تتعلق بالهوية الدينية وإعادة تشكيل التصورات الجغرافية في المنطقة.
“الكتاب الإبراهيمي”.. مشروع ديني أم رؤية توحيدية؟
بحسب ما طرحه الدكتور علي حمية، فإن هناك تصورات يجري الترويج لها ضمن بعض الأوساط تحت مسمى “الكتاب الإبراهيمي”، وهو مشروع يُقال إنه يسعى إلى جمع نصوص مختارة من القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في إطار واحد.
ويرى حمية أن مثل هذه الطروحات لا تقتصر على تشجيع الحوار بين الأديان، بل تمثل محاولة لصياغة هوية دينية جديدة تحت عنوان “الأمة الإبراهيمية”، وهو ما يثير، وفق رأيه، تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الأديان السماوية وحدود التوفيق بينها.
ويضيف أن الخلاف لا يتعلق بفكرة التقارب الديني بحد ذاتها، بل بطريقة تقديم النصوص وتأويلها، محذراً مما يعتبره إعادة تفسير للمفاهيم الدينية بما يخدم أهدافاً سياسية محددة.
جدل حول الرواية التاريخية والدينية
ويؤكد الباحث اللبناني أن المخاوف التي يطرحها لا تتعلق فقط بمسألة دمج النصوص، بل بما يعتبره عملية إعادة صياغة للرواية التاريخية والدينية المتعلقة بالمنطقة.
وبحسب رؤيته، فإن أي مشروع يقوم على إعادة تفسير النصوص الدينية قد يؤدي إلى تغييرات في فهم الأحداث التاريخية والقضايا السياسية المعاصرة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويرى أن مثل هذه المقاربات قد تنقل الصراع من كونه قضية احتلال ونزاع سياسي إلى إطار مختلف قائم على مفهوم “الإرث المشترك”، وهو ما يعتقد أنه قد يؤثر على نظرة الأجيال المقبلة إلى جذور الصراع في المنطقة.
الخرائط والحدود.. البعد الأكثر إثارة للجدل
يتعلق الجانب الأكثر إثارة في حديث حمية، بما وصفه بوجود تصورات جغرافية مرافقة لبعض المشاريع السياسية المطروحة في المنطقة.
فبحسب ما ذكره، هناك خرائط يتداولها باحثون ومتابعون تتحدث عن تصورات توسعية مرتبطة بمفهوم “إسرائيل الكبرى”، وهي رؤية ينسبها إلى تيارات داخل اليمين الصهيوني.
ويزعم حمية أن هذه التصورات تتجاوز الحدود السياسية الحالية، وتشمل مناطق من الأراضي الفلسطينية ولبنان ضمن رؤى جغرافية مستقبلية يصفها بالتوسعية.
وعلى رغم عدم وجود إعلان رسمي عن مثل هذه المشاريع ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية نفسها، فإن هذه الطروحات لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمهتمين بالشأن الإقليمي.
معركة الأفكار أم معركة الجغرافيا؟
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول الاتفاقيات الإبراهيمية لم يعد يقتصر على المكاسب الاقتصادية أو التحالفات السياسية، بل امتد إلى قضايا الهوية والثقافة والتاريخ.
فبينما ينظر مؤيدو الاتفاقيات إليها باعتبارها فرصة لتعزيز الاستقرار والتعاون الإقليمي، يرى منتقدوها أنها قد تحمل أبعاداً أعمق تتعلق بإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإعادة تعريف بعض القضايا التاريخية والدينية.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، يبقى السؤال مطروحاً: هل تقتصر الاتفاقيات الإبراهيمية على كونها إطاراً سياسياً ودبلوماسياً للتطبيع والتعاون، أم أنها تمثل بداية لتحولات أوسع تمس الهوية والثقافة والجغرافيا السياسية للمنطقة؟
ستظل الإجابة، كما يرى كثير من الباحثين، مرتبطة بما ستكشفه التطورات المقبلة، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على إثبات أو نفي هذه الروايات المتداولة.
اقرأ المزيد
فخ “التطبيع الإلزامي”: كيف ردت إسلام آباد على ضغوط ترامب لضمها لـ “اتفاقات أبراهام”؟
تبادل “الفيتو الصامت”.. لماذا يربط ترامب هدنة إيران بفرض اتفاقات أبراهام على السعودية والخليج؟

