وطن-قال الكاتب إرفان فرد، في مقال نشرته صحيفة “فوكس نيوز”، إن الإدارات الأميركية المتعاقبة تعاملت مع طهران على مدى عقود باعتبارها دولة يمكن احتواؤها عبر التفاوض التقليدي، بينما كان النظام الإيراني، بحسب رأيه، يبني شبكات نفوذ مسلحة في المنطقة ويعتمد على الوكلاء وتصدير العنف كجزء من استراتيجيته السياسية والأمنية.
وأضافت الصحيفة أن الجدل داخل واشنطن، الممتد منذ ما يقارب نصف قرن، لم يعد ينبغي أن يتركز فقط على كيفية التفاوض مع الجمهورية الإسلامية، بل على سؤال أعمق: هل لا تزال الولايات المتحدة تخطئ في تشخيص طبيعة النظام الإيراني؟ فالمشكلة، كما يرى الكاتب، لا تتعلق بخصم دبلوماسي عادي، بل بنظام تشكلت عقيدته منذ البداية على العداء للولايات المتحدة وإسرائيل والنظام الغربي.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز“، فإن التعامل مع إيران بوصفها دولة تسعى إلى مصالح قومية تقليدية أدى إلى أخطاء استراتيجية متكررة. فالكاتب يرى أن النظام الإيراني لم ينشأ كحكومة طبيعية يمكن فهم سلوكها وفق حسابات الدولة المعتادة، بل كمشروع أيديولوجي ثوري يتغذى على المواجهة المستمرة ويستخدمها لتعزيز شرعيته الداخلية والخارجية.
وأشار المقال إلى أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يبدأ مع الملف النووي الإيراني، ولا مع العقوبات الاقتصادية، ولا مع تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بل يعود إلى عام 1979، حين تحولت إيران من حليف رئيسي للولايات المتحدة إلى مركز ثوري معادٍ لها. ولفت الكاتب إلى أن اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن لم يكن مجرد أزمة دبلوماسية، بل رسالة مبكرة بأن النظام الجديد سيبني هويته السياسية على الصدام مع واشنطن.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” إن سوء تقدير واشنطن لطبيعة النظام الإيراني بدأ منذ الثورة نفسها، عندما نظر عدد من صناع القرار الأميركيين إلى التحول في إيران من زاوية معارضة الملكية فقط، من دون إدراك البعد الأيديولوجي الخميني الذي كان يتشكل. ويرى الكاتب أن النتيجة كانت واحدة من أكبر الخسائر الاستراتيجية للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، إذ خسرت واشنطن حليفاً محورياً في المنطقة، ووجدت نفسها أمام دولة راديكالية منخرطة مع قوى معادية للغرب في الشرق الأوسط.
وأوضح المقال أن التحالف الذي أحاط بآية الله روح الله الخميني لم يكن مقتصراً على رجال الدين التقليديين، بل شمل قوى إسلامية متشددة وشخصيات مرتبطة بحركات أوسع مناهضة للغرب. ومن وجهة نظر الكاتب، فإن ما ظهر بعد الثورة لم يكن مجرد نظام حكم جديد، بل مشروع أيديولوجي عابر للحدود، أساءت واشنطن تقديره في بداياته، ثم واصلت التقليل من خطورته في مراحل لاحقة.
وأضافت فوكس نيوز أن “الخُمينية”، وفق توصيف المقال، أصبحت المحرك الفكري للنظام الإيراني، إذ جمعت بين النزعة الدينية المطلقة، والعداء للغرب، واستخدام العنف السياسي. ولذلك، يرى الكاتب أن الخلاف بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية ليس مجرد خلاف حول سياسات أو ملفات محددة، بل صدام مع نظام يعتبر بقاءه مرتبطاً بالمواجهة، ويضع العداء لأميركا وإسرائيل وتصدير الثورة في قلب هويته.
ومنذ السنوات الأولى التي تلت ثورة 1979، بدأت طهران، بحسب المقال، في بناء شبكات عابرة للحدود. فقد لعب الحرس الثوري الإيراني، ثم فيلق القدس، دوراً مركزياً في رعاية وتوجيه حركات مسلحة في المنطقة، وصولاً إلى تشكيل ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، الممتد من لبنان والعراق إلى سوريا واليمن.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” إن حزب الله في لبنان أصبح النموذج الأكثر نجاحاً لاستراتيجية طهران القائمة على الوكلاء، بينما ساهمت حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب فصائل عراقية مسلحة وجماعة الحوثي في اليمن، في توسيع النفوذ الإيراني عبر حروب غير مباشرة وصراعات بالوكالة.
وأشار الكاتب إلى أن هذه الشبكة كلّفت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً على مدى عقود. فمن تفجير بيروت إلى هجوم أبراج الخبر، ثم الهجمات على القوات الأميركية في العراق وسوريا، يرى المقال أن النمط ظل ثابتاً: النظام الإيراني ليس مضطراً إلى مواجهة الولايات المتحدة مباشرة ما دام قادراً على الاعتماد على حلفاء ووكلاء مسلحين. وبحسب الكاتب، فإن الإرهاب ليس أداة ظرفية في سياسة طهران، بل جزء من ثقافتها الاستراتيجية.
وكشفت “فوكس نيوز”، نقلاً عن مقال إرفان فرد، أن التهديد الإيراني لم يعد محصوراً في الشرق الأوسط. فمحاولات الاغتيال، والتهديدات التي طالت مسؤولين أميركيين سابقين، والعمليات ضد معارضين إيرانيين في الخارج، كلها مؤشرات، بحسب المقال، على أن طهران لا ترى الحدود الجغرافية عائقاً أمام نشاطها. فالعداء الذي يحرك سياستها الإقليمية، وفق الكاتب، هو ذاته الذي يوجه تحركاتها خارج المنطقة.
واستعاد المقال واقعة اغتيال الدبلوماسي الإيراني السابق المعارض علي أكبر طباطبائي في ولاية ماريلاند عام 1980، باعتبارها إنذاراً مبكراً على إمكانية وصول العنف الأيديولوجي المرتبط بالنظام الإيراني إلى الأراضي الأميركية. ومع مرور الوقت، بحسب الكاتب، أصبحت التهديدات ضد مسؤولين أميركيين، ومخططات الاغتيال، وعمليات التأثير، والشبكات المرتبطة بالنظام، جزءاً من المشهد الذي تواجهه المؤسسات الأميركية.
وقالت الصحيفة إن منتقدين يرون أن المؤسسات الأميركية تعاملت في كثير من الأحيان مع التحدي الإيراني من خلال تحقيقات منفصلة وملفات أمنية محدودة، بدلاً من النظر إليه ضمن إطار استراتيجي أوسع. فرغم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي وأجهزة الاستخبارات نجحت في إحباط مخططات وملاحقة أفراد، فإن البيئة الأوسع التي تنتج التأثير الأيديولوجي والدعاية والشبكات الداعمة للنظام لم تحظَ دائماً بالاهتمام الكافي.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز”، فإن فهم النظام الإيراني لا يقتصر على تحديد العملاء أو المنظمات التابعة له، بل يتطلب قراءة البنية التي تنتج هؤلاء وتوفر لهم الغطاء السياسي والإعلامي والفكري. فامتداد النظام، كما يقول الكاتب، لا يظهر فقط عبر ضباط الحرس الثوري أو عناصره الرسمية، بل كذلك من خلال روايات إعلامية، وشبكات ضغط، ومتعاطفين أيديولوجيين يسهمون، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف المعارضة للنظام وتخفيف حدة الموقف الأميركي تجاهه.
ويرى المقال أن الدبلوماسية الأميركية فشلت مراراً عند هذه النقطة تحديداً. فقد افترضت واشنطن، في مراحل مختلفة، أن تخفيف العقوبات أو فتح قنوات التفاوض يمكن أن يدفع النظام الإيراني إلى الاعتدال. لكن المشكلة، بحسب الكاتب، تكمن في أن الولايات المتحدة لم تفهم بشكل كافٍ طبيعة الطرف الجالس على طاولة المفاوضات، إذ استخدمت طهران الدبلوماسية، في رأيه، كدرع سياسي وآلية لكسب الوقت وأداة للبقاء.
وأوضحت “فوكس نيوز” أن الاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، لم يعالج برنامج الصواريخ الإيراني، ولا شبكات الوكلاء، ولا ارتباط النظام بالحركات المسلحة. ويرى الكاتب أن تخفيف العقوبات عزز قدرة النظام على المناورة، ومنحه مساحة أوسع للتحرك، بينما سمحت جولات التفاوض المتكررة لطهران بشراء الوقت ومواصلة سياساتها في ملفات أخرى.
ولفت المقال إلى أن الخطأ الأميركي في التعامل مع إيران لم يكن حكراً على إدارة دون أخرى، بل تكرر في عهود جمهورية وديمقراطية على حد سواء. فبعض الإدارات اعتقدت أن الانخراط الدبلوماسي سيخفف من عداء النظام، بينما راهنت أخرى على أن الضغط وحده سيجبره على تغيير سلوكه. غير أن الكاتب يرى أن أياً من النهجين لا يمكن أن ينجح بالكامل ما لم يُفهم الجوهر الأيديولوجي للنظام، القائم على التكيف والمراوغة والبقاء.
وفي سياق متصل، عرضت فوكس نيوز تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث فيها عن عمليات عسكرية أميركية نُفذت ليلاً ضد سفن إيرانية، قائلاً إن الجيش الأميركي استهدف 22 سفينة إيرانية، كما تطرق إلى تأثير التوترات مع إيران على سوق الأسهم. وتأتي هذه التصريحات ضمن تصاعد النقاش الأميركي حول كيفية التعامل مع طهران عسكرياً وسياسياً.
وقال الكاتب إن النظام الإيراني قد يبدو اليوم أضعف مما كان عليه في مراحل سابقة، بعدما تعرضت شبكاته المسلحة لنكسات كبيرة أضرت بصورة طهران كقوة إقليمية قادرة على فرض نفوذها. وفي الداخل، يواجه النظام أزمة شرعية متفاقمة بفعل الفقر والقمع والغموض المرتبط بمسألة الخلافة، إلى جانب صعود بنية أمنية أكثر تشدداً داخل النظام الديني.
لكن “فوكس نيوز” نقلت عن المقال أن ضعف النظام لا يعني بالضرورة أنه أصبح أقل خطراً. فالجمهورية الإسلامية، وفق الكاتب، تعتمد للبقاء على القمع في الداخل والدعاية في الخارج، وعندما تشعر بأنها محاصرة، تلجأ إلى تخويف خصومها، وتقسيم معارضيها، وتنشيط وكلائها، وتحويل مجرد البقاء إلى انتصار سياسي. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، يعني ذلك العيش تحت نظام مستعد للتضحية بمصالح البلاد من أجل الحفاظ على مشروع أيديولوجي.
وختم الكاتب في مقاله المنشور في “فوكس نيوز” بأن السؤال المطروح أمام واشنطن لا يتعلق فقط بإمكانية ترتيب جولة جديدة من المحادثات مع طهران، بل بما إذا كانت الولايات المتحدة تدرك فعلاً طبيعة النظام الذي تواجهه. فالنظام الإيراني، بحسب المقال، ليس مجرد تحدٍ دبلوماسي، بل تهديد طويل الأمد للأمن القومي الأميركي، شكّل سياسات واشنطن وعمليات مكافحة الإرهاب لعقود.
ويرى المقال أن تجاهل هذه الحقيقة سيمنح طهران مزيداً من الفرص لاستغلال الثغرات، وتوسيع شبكاتها، وتهديد المصالح الأميركية حول العالم. أما الاعتراف بطبيعة التحدي، فيعدّ، وفق الكاتب، الخطوة الأولى لأي سياسة أميركية أكثر فاعلية تجاه إيران.
اقرأ أيضاً
صواريخ ومسيرات ورسائل نار.. إيران تنقل المواجهة مع واشنطن إلى قلب الخليج
الحرب على إيران تكشف هشاشة القواعد الأمريكية وتدفع واشنطن لإعادة تموضع قواتها في الخليج
الحرب على إيران تكشف هشاشة القواعد الأمريكية وتدفع واشنطن لإعادة تموضع قواتها في الخليج

