وطن-في تحول استراتيجي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أعلنت ألمانيا عزمها بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، في خطوة تعكس تغيراً جذرياً في سياستها الدفاعية وتؤكد استعدادها لتحمل مسؤوليات أكبر داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ظل تصاعد التهديدات الروسية وتزايد الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين.
وأكد السفير الألماني لدى الولايات المتحدة، ينس هانيفيلد، أن برلين استجابت للمطالب المتكررة بزيادة مساهمتها في الأمن الأوروبي، مشيراً إلى أن ألمانيا باتت مستعدة للقيام بدور أكبر بعد عقود اعتمدت خلالها بشكل واسع على المظلة العسكرية الأمريكية.
وقال هانيفيلد إن الحرب الروسية على أوكرانيا غيّرت البيئة الأمنية في أوروبا بصورة جذرية، وأجبرت ألمانيا على إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي حكمت سياستها الدفاعية منذ عقود، مضيفاً أن برلين أصبحت اليوم أكبر داعم أوروبي لأوكرانيا وتسعى إلى ترسيخ مكانتها كقوة عسكرية رئيسية داخل الناتو.
تحول تاريخي في العقيدة العسكرية الألمانية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبنت ألمانيا نهجاً يقوم على ضبط النفس العسكري والعمل ضمن منظومة الدفاع الجماعي لحلف الناتو، إلا أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 شكّل نقطة تحول تاريخية دفعت برلين إلى مراجعة استراتيجيتها الأمنية.
وأطلق المستشار الألماني السابق أولاف شولتس آنذاك مفهوم “التحول التاريخي”، بينما يعمل المستشار الحالي فريدريش ميرتس على تحويل هذا التوجه إلى مشروع طويل الأمد يهدف إلى بناء جيش ألماني يعد الأقوى بين الجيوش الأوروبية التقليدية.
وترى الحكومة الألمانية أن تعزيز القدرات العسكرية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية في ظل تزايد المخاطر الأمنية على حدود أوروبا الشرقية.
خلافات سياسية بين ترامب وميرتس
تأتي هذه التحولات العسكرية وسط توتر سياسي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وتصاعدت الخلافات بعد انتقاد ميرتس لسياسة واشنطن تجاه إيران، معتبراً أن الولايات المتحدة تعرضت للإحراج خلال مفاوضاتها مع طهران. ورد ترامب بانتقادات حادة، متهماً ميرتس بالتساهل مع البرنامج النووي الإيراني.
وامتدت التوترات إلى ملفات الناتو، حيث لوّح ترامب بإعادة النظر في حجم الوجود العسكري الأمريكي داخل ألمانيا، داعياً برلين إلى التركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا ومعالجة مشاكلها الداخلية بدلاً من توجيه الانتقادات للسياسة الأمريكية.
كما أثارت تصريحات ميرتس التي قال فيها إنه لن ينصح أبناءه حالياً بالعيش أو الدراسة في الولايات المتحدة جدلاً إضافياً بين الجانبين.
زيادة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري
ضمن خطتها الجديدة، تعهدت ألمانيا برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المستهدف عام 2035، وهو المستوى الذي اتفق عليه قادة الناتو خلال قمة الحلف الأخيرة.
كما أعلنت برلين نيتها ضم نحو 100 ألف جندي جديد إلى القوات المسلحة الألمانية، في واحدة من أكبر عمليات التوسع العسكري في تاريخ البلاد الحديث.
وأكد السفير الألماني أن بلاده بدأت بالفعل تنفيذ هذا التوجه عبر توقيع أكثر من 380 عقداً دفاعياً مع شركات أمريكية بقيمة تتجاوز 33 مليار دولار، تشمل شراء وتصنيع طائرات مقاتلة ومروحيات نقل وأنظمة دفاع جوي وذخائر متطورة.
وأوضح أن هذه الاستثمارات تمثل مساهمة مباشرة في تعزيز الشراكة عبر الأطلسي ونقل جزء أكبر من أعباء الدفاع عن أوروبا إلى الدول الأوروبية نفسها.
ألمانيا مرشحة لقيادة الصناعة الدفاعية الأوروبية
يرى خبراء عسكريون أن ألمانيا تمتلك المقومات الاقتصادية والصناعية التي تؤهلها لتصبح مركز الصناعات الدفاعية في أوروبا خلال السنوات المقبلة.
وأشار مسؤولون وخبراء دفاعيون إلى أن تطوير قاعدة صناعية عسكرية ألمانية قوية سيعزز قدرات الناتو ويرفع مستوى الردع في مواجهة روسيا، خاصة مع امتلاك ألمانيا بنية تحتية عسكرية متقدمة وقاعدة صناعية ضخمة مقارنة بمعظم الدول الأوروبية الأخرى.
كما لا تزال ألمانيا تحتضن منشآت استراتيجية مهمة للقوات الأمريكية، من بينها قاعدة رامشتاين الجوية والمراكز الطبية والعسكرية التي تلعب دوراً محورياً في العمليات الأمريكية والأطلسية داخل أوروبا.
تعزيز الجبهة الشرقية للناتو
ومن أبرز المشاريع العسكرية الألمانية الجديدة نشر لواء دائم في ليتوانيا يضم نحو خمسة آلاف عسكري ومدني ألماني، بهدف تعزيز الدفاع عن الجبهة الشرقية للناتو في منطقة البلطيق.
وتعتبر برلين هذه الخطوة رسالة واضحة إلى روسيا بأن الحلف ملتزم بالدفاع عن جميع أراضي الدول الأعضاء، وأن أي تهديد لأمن أوروبا سيواجه برد جماعي قوي.
اختبار حقيقي لدور ألمانيا الجديد
يمثل هذا التحول العسكري اختباراً تاريخياً لألمانيا التي تعرضت لسنوات طويلة لانتقادات أمريكية بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي مقارنة بحجم اقتصادها.
واليوم، تسعى برلين إلى إثبات قدرتها على أن تصبح العمود الفقري للأمن الأوروبي خلال العقد المقبل، في وقت يتزايد فيه الحديث داخل الولايات المتحدة عن ضرورة أن يتحمل الأوروبيون مسؤولية أكبر عن أمنهم القاري.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح ألمانيا في ترجمة هذه الوعود إلى قوة عسكرية فعلية تعيد رسم موازين القوة داخل أوروبا، أم أن التحديات السياسية والاقتصادية ستحد من طموحاتها؟ السنوات المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة.
اقرأ المزيد
في وثيقة من 80 صفحة.. كيف تحول “حنظلة” ورسوم الأطفال الخدج إلى شفرات سرية محظورة في ألمانيا؟
محور برلين-روما في مواجهة مدريد.. انقسام أوروبي حاد حول تعليق اتفاقية التجارة مع تل أبيب
رئيس «أكسل شبرينغر» يثير جدلاً: معاداة الصهيونية «عنصرية» وأوروبا يجب أن تصبح «أكثر يهودية»

