وطن-يدخل منتخب إيران كأس العالم 2026 وهو محاصر بضغوط غير مسبوقة، تتجاوز حدود كرة القدم إلى السياسة والحرب والهوية والانقسام الداخلي. فالتاريخ الطويل لمشاركات «تيم ملي» في المونديال كان دائماً مرآة لاضطرابات البلاد، لكن النسخة الحالية تبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن منتخب إيران يستهل مشواره في كأس العالم بمواجهة نيوزيلندا، بعد يوم واحد فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصله إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية، في خطوة قد تمهد لإنهاء صراع استمر نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر.
وتأتي المباراة الأولى لإيران في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، التي يطلق عليها كثيرون لقب «طهرانجلس»، بسبب وجود جالية إيرانية كبيرة فيها، يغلب على جزء واسع منها الموقف المعارض للحكومة الإيرانية. وبهذا يجد لاعبو إيران أنفسهم أمام مدرجات قد لا تحمل دعماً صافياً للفريق، بقدر ما تعكس مواقف سياسية متضاربة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن الجدل لا يقتصر على الجماهير الإيرانية في الولايات المتحدة، إذ إن دعم المنتخب داخل إيران والشرق الأوسط لم يعد مسألة محسومة لدى البعض، خصوصاً مع اعتبار فئات من الإيرانيين أن المنتخب يمثل السلطة أكثر مما يمثل الشعب، في ظل تقارير تحدثت عن مقتل آلاف المحتجين في وقت سابق من هذا العام خلال تظاهرات واسعة.
وفي هذا المشهد المعقد، يبدو لاعبو منتخب إيران عالقين بين ضغط السياسة في الداخل، وحساسية الوجود في الولايات المتحدة، وانتظارات الجماهير التي تختلف دوافعها من مكان إلى آخر.
وقال جهان يار محبي، المدرب السابق لنادي فولاد الإيراني، في تصريحات نقلتها صحيفة ميدل إيست آي: «اللاعبون يشعرون بالضغط من كل الجهات؛ من السياسيين، ومن الجماهير في الولايات المتحدة، ومن الناس في الداخل». وأضاف: «لكن هناك تاريخاً طويلاً من تداخل السياسة مع كرة القدم في إيران».
تاريخ طويل من السياسة وكرة القدم
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها منتخب إيران نفسه داخل عاصفة سياسية خلال كأس العالم. فعندما ظهر المنتخب الإيراني لأول مرة في المونديال عام 1978 في الأرجنتين، كانت الثورة تختمر في الداخل، وكان نظام الشاه يحاول عزل الفريق عن أجواء الاضطراب المتصاعد.
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن برويز قليج خاني، الذي توفي الشهر الماضي، كان يعد أفضل لاعبي إيران في تلك الفترة، لكنه لم يسافر إلى كأس العالم بسبب مواقفه السياسية العلنية، بعدما خضع للاستجواب من قبل جهاز الشرطة السرية التابع للشاه.
في المقابل، شارك الحارس ناصر حجازي في البطولة وقدم مستويات لافتة، إلى درجة أن نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي كان مهتماً بالتعاقد معه، وفق ما ورد في التقرير. غير أن الثورة الإيرانية قلبت المشهد، ولم تكتمل الأوراق والإجراءات اللازمة لإتمام الصفقة.
وبعد قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، نظرت السلطة الجديدة بحذر إلى كرة القدم، باعتبارها لعبة قادرة على حشد المشاعر وإثارة الغضب والحماس في بلد يقترب عدد سكانه اليوم من 90 مليون نسمة.
ملحمة ملبورن ومباراة «كل المباريات» أمام أمريكا
في عام 1997، سافر منتخب إيران إلى أستراليا لخوض ملحق حاسم للتأهل إلى كأس العالم 1998. وبعد انتزاع بطاقة العبور من ملبورن، اندلعت احتفالات ضخمة في إيران، إلى درجة أن اللاعبين طُلب منهم تأجيل عودتهم إلى البلاد حتى تهدأ الشوارع.
وأضافت صحيفة “ميدل إيست آي” أن ذلك التأهل فتح الباب أمام واحدة من أكثر مباريات كأس العالم ترقباً في نسخة فرنسا 1998، حين التقى منتخب إيران نظيره الأمريكي في مدينة ليون، في مواجهة حملت أبعاداً سياسية هائلة بسبب العلاقة المتوترة بين البلدين.
وسجل الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون رسالة سلام قبل المباراة، فيما قدم لاعبو إيران الورود للاعبي الولايات المتحدة قبل انطلاق اللقاء. وعلى أرض الملعب، فاز المنتخب الإيراني بنتيجة 2-1، في واحدة من أهم لحظاته الكروية تاريخياً.
ونقلت الصحيفة عن جلال طالبي، مدرب إيران في ذلك الوقت، قوله إن الناس بدأوا الحديث عن مباراة أمريكا قبل ستة أشهر من انطلاق كأس العالم. وأضاف: «كل يوم كان يأتي شخص من الحكومة أو من الوسط الرياضي ليسأل عن هذه المباراة ويريد الفوز بها. لم أكن بحاجة إلى الحديث مع اللاعبين عن أهميتها. كنت أحاول أن أقول لهم: انسوا ذلك، ما يقال سياسي. كنت أعرف حجم الضغط الذي يعيشونه».
من انقسامات 2006 إلى شارات 2010 الخضراء
بعد إنجاز 1998، لم يحقق منتخب إيران أي فوز في كأس العالم 2006، وهي نسخة ارتبطت بأزمة ذات طابع كروي أكثر تقليدية، مع تقارير تحدثت عن انقسامات داخل غرفة الملابس بين مؤيدي النجم علي دائي ومؤيدي علي كريمي.
وبحسب ما ذكرت “ميدل إيست آي”، عاد علي كريمي لاحقاً إلى الواجهة السياسية عام 2009، عندما ارتدى هو وعدد من لاعبي المنتخب شارات خضراء خلال مباراة حاسمة في تصفيات كأس العالم 2010 أمام كوريا الجنوبية.
وفُسرت تلك الخطوة على نطاق واسع باعتبارها دعماً للمتظاهرين المؤيدين لمير حسين موسوي، مرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية، التي فاز بها الرئيس محمود أحمدي نجاد، وسط اتهامات واسعة من خصومه بحدوث تلاعب في النتائج.
مونديال 2022 واحتجاج النشيد الوطني
تكرر المشهد السياسي بقوة في كأس العالم 2022، عندما وقعت إيران في مجموعة ضمت إنجلترا والولايات المتحدة وويلز. وجاءت البطولة بعد وفاة مهسا أميني، الشابة البالغة من العمر 22 عاماً، أثناء احتجازها بسبب ما قيل إنه مخالفة لقوانين الحجاب، وهو ما أشعل احتجاجات واسعة داخل البلاد.
وقبل مباراة إيران وإنجلترا، امتنع لاعبو المنتخب الإيراني عن ترديد النشيد الوطني، في تصرف اعتُبر على نطاق واسع رسالة احتجاج ضد الحكومة. ومع ذلك، ظل اللاعبون في موقع شديد الحساسية، بين من طالبهم بمواقف أكثر وضوحاً، ومن رأى أنهم يتعرضون لضغوط تفوق قدرتهم على الاحتمال.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن عزلة الحكومة الإيرانية انعكست كذلك على كرة القدم في البلاد. فمن الناحية العملية، يعاني الاتحاد الإيراني لكرة القدم في أحيان كثيرة من صعوبات في تحصيل الجوائز المالية والمستحقات القادمة من الخارج، كما تعاني المنتخبات الوطنية من نقص الاستثمار في المعسكرات والتجهيزات والمنشآت.
وتراجع الدوري الإيراني المحلي مقارنة بدوريات أخرى في المنطقة، فيما تتحفظ منتخبات دولية كبرى في كثير من الأحيان على خوض مباريات ودية أمام إيران، وهو ما يؤثر مباشرة في جودة الإعداد للمنافسات الكبرى.
إعداد محدود رغم التأهل المبكر
على الرغم من كل هذه العقبات، يواصل منتخب إيران تسجيل حضوره المنتظم في كأس العالم، ويبقى ثاني أعلى المنتخبات الآسيوية تصنيفاً بعد اليابان. وقد كان المنتخب الإيراني ثاني فريق يحجز مقعده في مونديال 2026، لكنه خاض استعدادات أقل قوة مقارنة بمنافسيه.
فقد واجه منتخب إيران، ضمن تحضيراته، منتخبات روسيا وتنزانيا وكوستاريكا ونيجيريا وغامبيا. وفي المقابل، كانت اليابان أول المتأهلين إلى كأس العالم، لكنها أعدت نفسها بمباريات قوية أمام البرازيل وإنجلترا والولايات المتحدة والمكسيك.
وترى صحيفة “ميدل إيست آي” أن الفارق بين برنامج إعداد المنتخبين يعكس حجم القيود التي تواجه كرة القدم الإيرانية، سواء بسبب العزلة السياسية أو الصعوبات اللوجستية أو محدودية الخيارات المتاحة أمام الاتحاد الإيراني.
الدخول إلى «عرين الأسد»
إلى جانب الضغوط الداخلية والخارجية، ظل الغموض قائماً حتى الأحد بشأن ما إذا كان المنتخب الإيراني سيُسمح له بدخول الولايات المتحدة لخوض مبارياته في كأس العالم. واضطر الفريق بالفعل إلى نقل معسكره التدريبي من ولاية أريزونا إلى مدينة تيخوانا المكسيكية، القريبة من الحدود الأمريكية.
وقال جهان يار محبي إن إيران امتلكت بعض المزايا في التحضير، موضحاً: «عادة تصل المنتخبات إلى البطولات الكبرى وهي مرهقة بعد مواسم محلية طويلة، لكن إيران حصلت على فترة توقف طويلة، وتدرب اللاعبون تقريباً كما لو كانوا في نادٍ واحد».
غير أن هذه الميزة لم تكن كاملة. فقد أُلغي الدوري المحلي في فبراير، وهو ما حرم اللاعبين من إيقاع المباريات الرسمية. وأضاف محبي، وفق ما نقلته ميدل إيست آي: «لم تكن هناك مباريات، لكن التحدي الأكبر يتعلق باللوجستيات. هل سيتمكن الفريق من التدريب في الملعب قبل المباراة بيوم، أم سيذهب مباشرة إلى اللقاء؟ هذا الغموض يجعل الأمور أكثر صعوبة».
أزمة التأشيرات ورسالة طارمي
زادت الأزمة تعقيداً بعدما رُفضت تأشيرات بعض أعضاء الوفد الإيراني من جانب الولايات المتحدة. وأبدى قائد المنتخب مهدي طارمي قلقه من الأجواء المحيطة بمشاركة بلاده في البطولة.
وقال طارمي في تصريحات نقلتها الصحيفة عن شبكة ESPN: «شاركت في ثلاث نسخ من كأس العالم، وكانوا يقولون دائماً إنك بمجرد أن تنزل من الطائرة وتدخل البلد المضيف، تشعر بأجواء فريدة من الود والعالمية. للأسف، لا أشعر بذلك الآن. هناك الكثير من التوتر في هذه النسخة من كأس العالم، ويمكنك أن تشعر به في الأجواء، وللأسف يعود ذلك إلى تصرفات مثل رفض التأشيرات».
وأضاف قائد إيران: «من الواضح أن بعض الناس خارج إيران، وفي ظل الحرب، قد يكونون ضد الحكومة، لكننا جميعاً إيرانيون. نحن متحدون ونبحث عن السلام. أعتقد أنهم سيأتون لدعمنا، وعلينا أن نجعلهم سعداء ونمنحهم الفرح».
قلق على العائلات في الداخل
ولا تقف مخاوف اللاعبين عند حدود المعسكر أو إجراءات السفر أو استقبال الجماهير في الولايات المتحدة. فالأحداث داخل إيران تظل حاضرة بقوة في ذهن اللاعبين، الذين يتابعون أوضاع عائلاتهم وأصدقائهم وبلدهم من بعيد.
وقال الجناح علي رضا جهانبخش، في تصريحات أبرزتها ميدل إيست آي: «كان الأمر صعباً جداً، لأكون صادقاً، على كل واحد منا بسبب الوضع بأكمله». وأضاف: «عليك أن تواصل الاطمئنان على عائلتك، وعلى أحبائك، وعلى الناس في بلدك، وبالطبع هذا يؤثر في المجموعة».
هكذا يدخل منتخب إيران كأس العالم 2026 مثقلاً بما هو أكبر من كرة القدم. فبين لوس أنجلوس ذات الرمزية الخاصة، والانقسام بين الجالية والداخل، وأزمة التأشيرات، والقلق على العائلات، يجد لاعبو «تيم ملي» أنفسهم أمام اختبار نفسي وسياسي ورياضي في آن واحد.
ومهما كانت نتيجة مباراة نيوزيلندا وما يليها، فإن مشاركة إيران في مونديال 2026 تبدو مرشحة لأن تُقرأ خارج المستطيل الأخضر بقدر ما ستُتابع داخله، في فصل جديد من العلاقة المعقدة بين كرة القدم والسياسة في تاريخ المنتخب الإيراني.
اقرأ المزيد
11 مليار دولار لـ«فيفا».. ودول أمريكا الوسطى عاجزة حتى عن استضافة مباراة في كأس العالم!
المغرب في الصدارة.. أفضل قمصان منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كأس العالم 2026
“مونديال فوق صفيح ساخن”.. الفيتو الأمريكي يحرم إداريي إيران من التأشيرات وطهران تنقل مقرها للمكسيك

