وطن-في تصريحات غير مسبوقة من مسؤول أمني إسرائيلي سابق، شبّه وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون أيديولوجيا قطاعات من حركة الصهيونية الدينية، المرتبطة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بالنازية، قائلاً إن ما يجري يمثل «تفوقاً يهودياً» على نحو يعكس، بحسب وصفه، أفكار كتاب «كفاحي» ولكن بصورة معكوسة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن يعلون، الذي شغل منصب وزير الدفاع في حكومة بنيامين نتنياهو بين عامي 2013 و2016، وجّه في مقابلة واسعة مع موقع Ynet الإسرائيلي اتهامات حادة إلى السلطات الإسرائيلية، مؤكداً أنها لا تحقق بجدية في الهجمات التي ينفذها مستوطنون وجنود إسرائيليون ضد مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية.
وأضافت الصحيفة أن يعلون استخدم عبارات قاسية في توصيفه للأيديولوجيا التي تتبناها فصائل داخل حركة الصهيونية الدينية، وهي الحركة التي تُعد من أبرز الداعمين للمستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ قال: «ما هو التفوق اليهودي؟ بعد 80 عاماً على الهولوكوست، إنه كفاحي بالمقلوب. العِرق المتفوق هو نحن».
يعلون: الحكومة الإسرائيلية تشجع «المذابح» ضد الفلسطينيين
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن يعلون، الذي زار أخيراً تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة في ظل تصاعد هجمات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، وصف ما يحدث هناك بأنه «عار على الأجيال».
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق في حديثه مع موقع Ynet إن «الحكومة الإسرائيلية تشجع يهوداً يرتكبون مذابح على طرد العرب من أراضيهم عبر التنكيل بهم، بما في ذلك إطلاق النار عليهم»، مشيراً إلى أن أكثر من 20 فلسطينياً قُتلوا في تلك الهجمات.
وأكد يعلون، وفق الصحيفة، أن أيّاً من المتورطين لم يُعتقل، في إشارة إلى ما اعتبره غياباً كاملاً للمحاسبة تجاه المستوطنين والجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية. وأضاف أن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» والشرطة الإسرائيلية لا يقومان بما يلزم لمواجهة عمليات القتل والاعتداءات.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن يعلون قوله إنه شاهد خلال زيارته منطقة جنوب الخليل الظروف القاسية التي يواجهها الفلسطينيون، موضحاً أنه التقى رجلاً فلسطينياً فقد ساقه بعدما أطلق عليه مستوطنون النار، ثم منعوه من تلقي الإسعاف والعلاج.
تصاعد هجمات المستوطنين منذ حرب غزة
وأشارت الصحيفة إلى أن هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة تصاعدت بصورة كبيرة منذ أن شنّت إسرائيل حربها على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وهي الحرب التي وصفتها جهات ومنظمات دولية بأنها إبادة جماعية. ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، بلغ متوسط هجمات المستوطنين نحو أربع هجمات يومياً.
وقالت “ميدل إيست آي” إن عدداً من هذه الهجمات وُثق بمقاطع فيديو، ما أثار قلق شخصيات إسرائيلية معارضة، بينها يعلون، ليس فقط بسبب تداعياتها الأمنية، بل أيضاً بسبب آثارها الأخلاقية على المجتمع الإسرائيلي ومستقبل الصراع.
وفي السياق نفسه، لفتت الصحيفة إلى أن شخصيات من اليسار الإسرائيلي بدأت تستخدم أوصافاً أكثر حدة للسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، معتبرة أنها ترقى إلى أفعال إجرامية. ففي وقت سابق من الشهر الجاري، وصف نمرود شيفر، المرشح في الانتخابات التمهيدية لحزب «الديمقراطيين» من تيار الوسط اليساري، هجوماً للمستوطنين في بلدة حوارة قرب نابلس بأنه «هجوم إرهابي».
وأضافت الصحيفة أن شيفر تعهّد الأسبوع الماضي، في حال انتخابه، بتفكيك البؤر الاستيطانية التي يسكنها مستوطنون شباب غالباً ما يرتبطون بأعمال عنف. وتُعرف بعض هذه المجموعات باسم «شباب التلال»، وهي مجموعات استيطانية متطرفة اتُّهم أفرادها مراراً بتنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.
من رئيس أركان إلى ناقد للحكومة الإسرائيلية
ولفتت “ميدل إيست آي” إلى أن انتقادات يعلون تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى خلفيته العسكرية الطويلة. فقد أمضى عقوداً في الجيش الإسرائيلي، وشارك في اجتياح لبنان عام 1982، وفي قمع الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، كما كان جزءاً من المؤسسة العسكرية خلال حرب غزة عام 2014.
وفي عام 2002، حين كان رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، أدلى يعلون بتصريح مثير للجدل قال فيه إن «التهديد الفلسطيني يحمل سمات تشبه السرطان، ويجب استئصاله ومقاتلته حتى النهاية»، وفق ما ذكّرت به الصحيفة البريطانية.
كما أشارت “ميدل إيست آي” إلى أنه في عام 2015 منع منظمة «كسر الصمت»، وهي منظمة تضم جنوداً إسرائيليين سابقين يوثقون انتهاكات الجيش، من ممارسة أنشطة داخل المؤسسة العسكرية.
لكن يعلون، البالغ من العمر 75 عاماً، غيّر في السنوات الأخيرة نبرته تجاه الحكومة الحالية، ووجّه انتقادات علنية لسياساتها. ففي عام 2024 اتهم الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ تطهير عرقي في قطاع غزة، في موقف أثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل.
«يهود نازيون».. تحذير قديم يعود إلى الواجهة
وبحسب ما أوردته الصحيفة، استعاد يعلون خلال المقابلة تحذيراً قديماً للمفكر الإسرائيلي الراحل يشعياهو ليبوفيتش، الذي حذّر من أن استمرار الاحتلال قد يحوّل الإسرائيليين إلى ما سماه «يهوداً نازيين».
وقال يعلون، متأملاً فترة خدمته قائداً عسكرياً في الضفة الغربية، إنه حاول حينها منع الاحتلال من دفع الإسرائيليين إلى هذا المسار. لكنه أضاف: «اليوم لا أستطيع القول إن ليبوفيتش كان مخطئاً»، معرباً عن أمله في أن تقوم الحكومة الإسرائيلية المقبلة بعكس هذا الاتجاه.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق قوله إن الفلسطينيين يتعرضون للتنكيل في الضفة الغربية، مضيفاً: «أشعر بالخجل لأن أبناء شعبي يفعلون مثل هذه الأمور، ويتم ذلك بتوجيه من الحكومة».
وعندما سُئل عما إذا كانت إسرائيل قد تتحول إلى دولة فصل عنصري، أجاب يعلون: «بالتأكيد»، مؤكداً في الوقت ذاته أنه يدعم التوصل إلى «تسوية مع الفلسطينيين».
وقال يعلون إن غياب التسوية سيقود إسرائيل إلى أحد خيارين: إما دولة فصل عنصري، أو دولة ثنائية القومية. لكنه أوضح، بحسب الصحيفة، أنه لا يؤيد إزالة المستوطنات الإسرائيلية من الضفة الغربية، رغم تحذيراته من المسار السياسي والأمني الحالي.
انتقاد للمعارضة الإسرائيلية وموقفها من الأحزاب العربية
ولم تقتصر انتقادات يعلون على الحكومة اليمينية الحالية، بل طالت أيضاً قادة المعارضة الإسرائيلية. وقالت ميدل إيست آي إن وزير الدفاع السابق انتقد امتناع قادة المعارضة عن الالتزام بإشراك حزب فلسطيني داخل إسرائيل في ائتلاف حكومي مستقبلي.
وصرّح يعلون بأن «القيم المشتركة بيني وبين منصور عباس أكبر من القيم التي تجمعني بسموتريتش وبن غفير»، في إشارة إلى رئيس «القائمة العربية الموحدة» في الكنيست منصور عباس، مقابل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وهما من أبرز وجوه اليمين المتطرف في إسرائيل.
وكان منصور عباس قد أعلن مراراً رغبته في أن يكون جزءاً من ائتلاف حكومي إسرائيلي، في موقف يختلف عن النهج التاريخي لغالبية الأحزاب الفلسطينية داخل إسرائيل، التي بقيت عادة خارج الائتلافات الحاكمة.
وتعكس تصريحات يعلون، كما خلصت ميدل إيست آي، اتساع الهوة داخل إسرائيل بشأن مستقبل الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية، وتزايد القلق من تحوّل عنف المستوطنين إلى سياسة محمية سياسياً وأمنياً، في وقت تتصاعد فيه الحرب على غزة وتتعمق عزلة إسرائيل الدولية بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين.
قد يعجبك
الطيبة تحت الحصار.. مستوطنون يحرقون أراضي القرية المسيحية شرق رام الله
أبارتهايد قضائي.. إسرائيل تُفعّل قانون إعدام الفلسطينيين في الضفة وتستثني المستوطنين..
أمر مصادرة تاريخي.. كيف تُخطط حكومة الاحتلال لانتزاع عقارات “باب السلسلة” ومحيط الأقصى؟

