وطن-في حكم قضائي أثار جدلاً سياسياً وحقوقياً واسعاً في بريطانيا، أيدت محكمة الاستئناف قرار الحكومة البريطانية حظر مجموعة «فلسطين أكشن» بموجب قوانين الإرهاب، بعدما ألغى خمسة قضاة حكماً سابقاً للمحكمة العليا كان قد اعتبر الحظر غير قانوني.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن القرار صدر يوم الاثنين، بالتزامن مع توقيف الشرطة البريطانية عدداً من المتظاهرين خارج محاكم العدل الملكية في لندن، عقب الحكم المتعلق بمشروعية تصنيف المجموعة المؤيدة لفلسطين كتنظيم محظور بموجب قانون الإرهاب.
وفي حيثيات الحكم، رفضت محكمة الاستئناف توصيف «فلسطين أكشن» لنفسها باعتبارها مجموعة عصيان مدني أو حركة عمل مباشر شبيهة بحركة المطالبات بحق المرأة في التصويت في بريطانيا. وذكرت رئيسة القضاة، الليدي سو كار، أن المجموعة «ليست كما تزعم، حركة عصيان مدني علنية مثل السافرجيت»، بل وصفتها بأنها «تنظيم سري يعمل عبر خلايا لتجنب كشف وملاحقة من يستخدمون العنف لتدمير ممتلكات الغير».
وأضافت المحكمة، بحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، أن أنشطة «فلسطين أكشن» لم تقتصر على إلحاق أضرار بالممتلكات، بل تسببت أيضاً في إصابات، وهو ما استندت إليه في ترجيح قانونية قرار الحكومة البريطانية بحظر المجموعة.
لكن الحكم فتح باباً واسعاً للنقاش حول الطريقة التي جرى بها استدعاء تاريخ حركة «السافرجيت» في بريطانيا. فقد اعتبر معلقون وحقوقيون أن المحكمة قدمت صورة منقحة وغير دقيقة عن حركة المطالبات بحق التصويت، بوصفها حركة سلمية وشفافة تعمل في العلن، في حين أن تاريخها شهد تصعيداً واضحاً نحو السرية والتخريب والعنف السياسي ضد الممتلكات.
وقال المحامي البريطاني السابق في الحكومة، تيم كروسلاند، لصحيفة «ميدل إيست آي»، إن تصوير حركة السافرجيت على أنها كانت تتحرك دائماً بشكل علني وغير عنيف «مجرد خيال يجري الترويج له». وأضاف أن «تبييض ذلك التاريخ، وكأن الناشطات كن يتوقفن في منتصف المواجهة لتناول شطائر الخيار مع الشرطة، أمر مقلق للغاية».
وتشير الصحيفة إلى أن الاتحاد الاجتماعي والسياسي للنساء، المعروف اختصاراً بـ WSPU، وهو الجناح الأكثر تشدداً في حركة المطالبة بحق المرأة في التصويت، بدأ نشاطه بشكل علني، لكنه بعد عام 1912 انتقل إلى تكتيكات أكثر تصعيداً، شملت هجمات حرق وتفجير استهدفت أماكن عامة وبنية تحتية ومنازل سياسيين معارضين لمنح النساء حق التصويت.
ومع تبني تلك الأساليب الأكثر تشدداً، تحولت الحركة إلى العمل السري بدرجة أكبر. ووفقاً لباحثين أكاديميين، فإن بنية الحركة في تلك المرحلة كانت تنطبق عليها معايير ما يعرف بـ«شبكة الحركة الاجتماعية السرية». كما أنشئت خلية سرية حملت اسم «يونغ هوت بلودز» لتنفيذ الهجمات، وكان أعضاؤها يتعهدون بما سمي «واجب الخطر».
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، فإن هجمات السافرجيت استهدفت في معظمها الممتلكات، لكنها تسببت أيضاً في إصابات ووفيات. فقد زرعت ناشطات قنابل بدائية الصنع في عربات قطارات مزدحمة، كما أرسلن عبوات تحتوي على الفوسفور عبر البريد، ما أدى إلى إصابة بعض سعاة البريد بحروق خطيرة.
وفي ذلك الوقت، وصفت الشرطة البريطانية حملة السافرجيت بأنها «عهد من الإرهاب»، بينما استخدمت عناوين صحفية آنذاك عبارة «إرهاب السافرجيت» لوصف بعض عمليات الحركة.
وفي منشور بعنوان «لماذا نحن مناضلات؟»، دافعت زعيمة الحركة إيميلين بانكهورست عن استخدام التكتيكات المتشددة، قائلة إن «التبرير الوحيد للعنف، والتبرير الوحيد لإتلاف الممتلكات، والتبرير الوحيد لتعريض راحة الآخرين للخطر، هو أنك جربت كل الوسائل المتاحة الأخرى وفشلت في تحقيق العدالة».
في المقابل، رفضت هدى عموري، الشريكة في تأسيس «فلسطين أكشن»، توصيف المحكمة لأنشطة المجموعة بأنها «سرية»، مؤكدة أن معظم تحركاتها كانت قائمة على «المساءلة» وتحمل العواقب القانونية. وقالت لصحيفة «ميدل إيست آي» إن أفعالاً مثل إغلاق مصنع أو الصعود إلى سطحه أو احتلاله كانت تنفذ مع إدراك المشاركين أنهم سيتعرضون للاعتقال، وأن الفكرة الأساسية هي الاستعداد لتحمل نتائج هذه الأفعال.
وتناول الحكم المكتوب ما وصفه بـ«الدليل السري» الخاص بالمجموعة، قائلاً إنه يدعو إلى تعطيل أهدافها وتدميرها وإلحاق الضرر بها مع تجنب الكشف. غير أن عموري قالت إن هذا الدليل لا يعدو كونه تجميعاً لموارد مختلفة عن كيفية تنفيذ العمل المباشر والتطوع، ومعظمها متاح أصلاً على مواقع إلكترونية مختلفة تابعة لمجموعات متعددة.
وأضافت عموري أن اتخاذ إجراءات لحماية الأمن الرقمي لا يعني بالضرورة السرية الإجرامية، موضحة أنه حتى في الأعمال المباشرة التي يكون المشاركون فيها مستعدين لتحمل المسؤولية القانونية، فإنهم يلجأون إلى إجراءات حماية ذاتية لأن أي حركة احتجاجية لا يمكن أن تستمر دون حد أدنى من الأمن والتنظيم.
من جانبه، شدد تيم كروسلاند، الذي سبق أن قدم مشورة قانونية لمجموعات مناخية، على أن «التخطيط غير العلني» عنصر ملازم تقريباً لكل حركات العمل المباشر. وقال لصحيفة «ميدل إيست آي»: «إذا لم يكن هناك تخطيط مسبق بعيداً عن أعين السلطات، فسيتم إيقافك قبل أن تغادر منزلك».
واعتبر كروسلاند أن استخدام المحكمة لفكرة «التخطيط السري» للتمييز بين «فلسطين أكشن» وغيرها من مجموعات العصيان المدني «أمر غير نزيه تماماً»، مضيفاً أن ذلك يبدو جزءاً من محاولة لصد الاتهامات بأن قرار الحظر يمثل نزعة سلطوية، عبر الادعاء بأن ما يحدث الآن لا يشبه أي سوابق تاريخية.
ولم يقتصر حكم محكمة الاستئناف على مقارنة «فلسطين أكشن» بحركة السافرجيت، بل قال أيضاً إن المجموعة «لا تكاد تشترك في شيء» مع حركات مناهضة الفصل العنصري أو الاحتجاجات ضد حرب العراق.
غير أن هذا الاستنتاج قوبل بدوره بانتقادات تاريخية. فالمؤتمر الوطني الأفريقي، الذي قاد النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بدأ متمسكاً بالعصيان المدني السلمي، قبل أن ينتقل إلى الكفاح المسلح عقب مذبحة شاربفيل عام 1960، عندما فتحت الشرطة النار على حشد من المتظاهرين.
وأوضحت “ميدل إيست آي” أن المؤتمر الوطني الأفريقي حُظر لاحقاً، ما دفعه إلى العمل السري وتبني تكتيكات أكثر تشدداً، شملت تخريب البنية التحتية العامة. وخلال محاكمته بتهم التخريب عام 1964، قال نيلسون مانديلا إنه خلص إلى أن العنف في جنوب أفريقيا أصبح أمراً حتمياً، وأن الاستمرار في الدعوة إلى السلام واللاعنف فقط لم يعد واقعياً، بعدما أغلقت كل قنوات الاحتجاج السلمي.
كما استندت محكمة الاستئناف إلى حكم بارز صدر عام 2006 في قضية «آر ضد جونز»، وهي قضية تتعلق بناشطين اقتحموا قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وألحقوا أضراراً بخزانات وقود ومقطورات قنابل، بهدف منع طائرات أمريكية مسلحة من المشاركة في غزو العراق عام 2003.
وفي تلك القضية، استمعت المحكمة إلى أن المستأنفين مارغريت جونز وبول ميلينغ كانا يحملان أدوات يعتزمان استخدامها لتدمير أو إتلاف مدرج القاعدة وطائرات تابعة للقوات الجوية الأمريكية. كما قيل إن متهماً آخر، جوش ريتشاردز، حاول إشعال النار في طائرة.
وفي رأيه حينها، أكد اللورد هوفمان أن للعصيان المدني «تاريخاً طويلاً ومشرفاً»، مشيراً إلى أن أشخاصاً يكسرون القانون تعبيراً عن إيمانهم بظلم قانون أو إجراء حكومي قد تنصفهم الذاكرة التاريخية لاحقاً. واستشهد هوفمان صراحة بحركة السافرجيت، واضعاً في الوقت ذاته معياراً مفاده أن المحتجين الذين يتصرفون «بإحساس بالتناسب» يمكنهم توقع قدر من ضبط النفس من الدولة، وهو ما عرف لاحقاً باسم «صفقة هوفمان».
وفي نهاية تلك القضية، حصل المستأنفون على إفراج مشروط وأمر حظر تجول، وليس على عقوبات قاسية. لكن محكمة الاستئناف البريطانية رأت في حكمها الأخير أن «فلسطين أكشن» تمثل «نقيضاً» لنموذج العصيان المدني الذي تحدث عنه هوفمان.
ورد كروسلاند على هذا الطرح قائلاً لصحيفة «ميدل إيست آي» إن الزعم بأن «فلسطين أكشن» تقع في مستوى مختلف تماماً عن تلك الحركات «يمثل تشويهاً للتاريخ بهدف تبرير رد مختلف تماماً».
ويضع الحكم الجديد الحكومة البريطانية أمام موجة جديدة من الانتقادات الحقوقية، في وقت تتزايد فيه حساسية ملف الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين داخل المملكة المتحدة. وبينما تعتبر السلطات أن حظر «فلسطين أكشن» يستند إلى اعتبارات أمنية وقانونية، يرى منتقدون أن القضية تتجاوز المجموعة نفسها إلى حدود الحق في الاحتجاج، ومعنى العصيان المدني، وكيفية تعامل الدولة مع الحركات السياسية التي تستهدف سياساتها الخارجية أو الشركات المرتبطة بها.
اقرأ المزيد
“رجل لرجل”: شرطة مانشستر تعرض أموالاً وإلغاء مخالفات على تاجر مسلم للتجسس على “فلسطين أكشن”!
خبراء ومحامون يطالبون بعزل قاضي “فلسطين أكشن” لـ تحيزه وتطالب بتنحيه فوراً

