وطن-شهدت مدينة بلفاست، عاصمة أيرلندا الشمالية، موجة جديدة من أعمال العنف والشغب العنصري، أعادت إلى الواجهة التوترات التاريخية التي طالما طبعت المدينة، وسط تحذيرات من تصاعد خطاب الكراهية وتراجع دور المؤسسات السياسية في احتواء الأزمة.
وبدت شوارع شرق بلفاست، ولا سيما في محيط طريق نيوتاوناردز، وكأنها خرجت من ساحة صراع؛ منازل متفحمة، وسيارات محترقة، وآثار الدخان ما تزال تملأ الأجواء بعد أيام من الاضطرابات التي اندلعت عقب حادثة طعن تعرّض لها أحد سكان المدينة.
ووفقاً لشهادات محلية، استهدفت أعمال الشغب عائلات مهاجرة من جنسيات مختلفة، بينها أسر أوكرانية وبولندية ورومانية، اضطرت إلى مغادرة منازلها بعد تعرضها لهجمات وإحراق ممتلكاتها.
وتشير روايات السكان إلى أن عناوين منازل مهاجرين ولاجئين جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات المحادثة الخاصة، فيما تلقى المشاركون في أعمال الشغب تعليمات لإخفاء هوياتهم وتجنب توثيق تحركاتهم.
ويرى مراقبون أن الأحداث الأخيرة لا يمكن فصلها عن الإرث الطويل للجماعات الموالية للتاج البريطاني التي ظلت فاعلة في بعض أحياء بلفاست حتى بعد اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي أنهى رسمياً ثلاثة عقود من الصراع الدموي في أيرلندا الشمالية.
وعلى الرغم من اختلاف الآراء بشأن حجم تورط تلك الجماعات في الاضطرابات الأخيرة، فإن منظمات حقوقية أكدت وجود مؤشرات على مشاركة عناصر مرتبطة بتنظيمات شبه عسكرية في أعمال العنف التي استهدفت المهاجرين.
في المقابل، حمّل ناشطون وأكاديميون مسؤولية تأجيج الأوضاع لخطابات اليمين المتطرف المتنامية على الإنترنت، إضافة إلى شخصيات سياسية وإعلامية اعتبروا أنها ساهمت في نشر روايات تربط الهجرة بارتفاع معدلات الجريمة، ما عزز مشاعر العداء تجاه الأجانب.
ويقول خبراء إن أيرلندا الشمالية تشهد منذ سنوات ارتفاعاً ملحوظاً في الحوادث ذات الدوافع العنصرية، في ظل انتشار معلومات مضللة حول المهاجرين وطالبي اللجوء، وغياب حملات توعية فعالة تشرح أوضاع الوافدين الجدد ودورهم في المجتمع.
كما تلعب أزمة الإسكان دوراً محورياً في تصاعد الاحتقان، إذ يواجه عشرات الآلاف صعوبة في الحصول على سكن اجتماعي، بينما تتهم بعض الأوساط الشعبية الحكومة بمنح أولوية للمهاجرين، وهو ما تنفيه منظمات مدنية تعتبر أن المشكلة الحقيقية تكمن في نقص المساكن وغياب السياسات الإسكانية الفعالة.
وفي الوقت الذي خرج فيه آلاف الأشخاص في مسيرات مناهضة للعنصرية دعماً للمهاجرين، حذر قادة مجتمعيون من أن استمرار الانقسامات الاجتماعية والتوترات السياسية قد يدفع المدينة إلى مزيد من الاضطرابات.
ويرى مراقبون أن ما تشهده بلفاست اليوم لا يتعلق بحادثة فردية أو موجة غضب عابرة، بل يعكس أزمة أعمق تتداخل فيها الذاكرة التاريخية للصراع، وأزمة الهوية، وتحديات الهجرة، وصعود الخطابات الشعبوية، في مدينة ما تزال تحاول تجاوز إرث عقود من العنف والانقسام.
اقرأ أيضاً
نساء سودانيات يتصدّين للعنف العنصري في بلفاست.. كيف أنقذن مئات العائلات من هجمات الملثمين؟
بلفاست تشتعل: مهاجران سوريان يخسران متجرهما للمرة الثانية وسط موجة عنف عنصري في أيرلندا الشمالية
بريطانيا: استهداف منزل إمام بزجاجة حارقة والعثور على عبوة مشبوهة قرب مسجد في بولتون

