وطن-في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة المصرية تحسن الأوضاع المعيشية وتراجع معدلات الفقر، تتزايد التساؤلات حول استمرار غياب أحدث البيانات الرسمية الخاصة بمستويات الفقر والدخل في البلاد، وسط انتقادات تتهم السلطات بحجب معلومات أساسية يحتاجها الرأي العام والباحثون لتقييم الواقع الاقتصادي.
ويُعد بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الأداة الرسمية الأهم لقياس مستويات الفقر والمعيشة في مصر، إلا أن نتائج المسوح الأخيرة لم تُنشر حتى الآن، رغم مرور سنوات على الانتهاء من إعداد بعضها.
آخر بيانات منشورة تعود إلى ما قبل موجة الأزمات
تشير البيانات الرسمية المتاحة إلى أن آخر مسح منشور بالكامل يعود إلى الفترة 2019-2020، أي قبل سلسلة من التطورات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها مصر، من بينها تعويمات متتالية للجنيه وارتفاعات قياسية في معدلات التضخم وأسعار السلع والخدمات.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لأنها تمثل المؤشر الأكثر دقة لقياس عدد الفقراء ومستوى الإنفاق الحقيقي للأسر المصرية، كما تُستخدم في رسم السياسات الاجتماعية وبرامج الدعم الحكومي.
تقارير تتحدث عن تأجيل نشر نتائج أحدث المسوح
ووفقاً لما نقلته منصة “صحيح مصر” عن مصادر داخل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك للفترة 2023-2024 لم تُنشر حتى الآن، رغم الانتهاء من إعدادها، بسبب عدم صدور موافقة نهائية على إعلانها.
كما أشارت المصادر إلى أن بعض الجهات الرسمية اضطرت إلى الاستناد إلى بيانات أقدم في إعداد تقديراتها الاقتصادية والاجتماعية، نتيجة عدم إتاحة أحدث النتائج للباحثين أو للرأي العام.
تسريبات تتحدث عن ارتفاع غير مسبوق للفقر
وكان تقرير نشره موقع “مدى مصر” قد نقل عن مصادر مطلعة أن نسبة الفقر في مسح 2021-2022 بلغت نحو 34 بالمئة، وهي نسبة قيل إنها تمثل أعلى مستوى يُسجل منذ بدء إصدار المسح بصيغته الحديثة مطلع الألفية الجديدة.
وبحسب التقرير نفسه، ارتفعت أيضاً معدلات الفقر المدقع مقارنة بالمسح السابق، في إشارة إلى تراجع القدرة المعيشية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
وأفاد التقرير بأن أكثر من أربعة ملايين مصري انزلقوا من الطبقة المتوسطة إلى دائرة الفقر خلال عام واحد فقط، فيما ارتفعت نسبة الفقر المدقع إلى 5.81 بالمئة، ما يعني أن أكثر من مليون وثلاثمائة ألف شخص فقدوا القدرة على توفير احتياجاتهم الأساسية خلال فترة زمنية قصيرة.
تساؤلات حول غياب الشفافية
ويرى مراقبون أن استمرار غياب النتائج الرسمية يفتح الباب أمام التكهنات والتقديرات غير المؤكدة، خصوصاً في ظل التغيرات الاقتصادية الحادة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويتساءل منتقدون: إذا كانت المؤشرات تؤكد بالفعل نجاح السياسات الاقتصادية وتحسن مستويات المعيشة، فلماذا لا تُنشر البيانات كاملة للرأي العام؟
ويؤكد خبراء أن نشر البيانات الاقتصادية والاجتماعية بشكل دوري وشفاف يمثل أحد أهم أدوات بناء الثقة بين الحكومات والمواطنين، كما يتيح للباحثين ومؤسسات المجتمع المدني تقييم أثر السياسات العامة بصورة دقيقة.
الفقر بين الأرقام والواقع
ومع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة، يطالب اقتصاديون ومتابعون بضرورة الإفراج عن أحدث نتائج أبحاث الدخل والإنفاق والاستهلاك، باعتبارها المصدر الرسمي الأهم لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل تكشف البيانات المؤجلة عن تحسن فعلي في مستويات المعيشة، أم أنها ستؤكد اتساع دائرة الفقر وتراجع القوة الشرائية للمواطنين؟ وحتى يتم نشر الأرقام الرسمية، ستظل الإجابة رهينة للبيانات الغائبة.
اقرأ المزيد
بعد 40 عاماً من العمل.. لماذا يعيش ملايين المتقاعدين في مصر على معاش لا يكفي أسبوعاً واحداً؟
معضلة “الدعم النقدي” في مصر: تغيير جذري لـ 68 مليون مواطن في يوليو.. ومخاوف من استبعاد 12 مليوناً!
الدائرة المغلقة للاقتراض المحلي: لماذا تلتهم خدمة الدين 76% من إيرادات خزينة الدولة المصرية؟
هل يتحوّل “وقف الأمير عبد المنان” إلى أخطر صراع عقاري في تاريخ مصر الحديث؟

