وطن-في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تخوض واحدة من أكثر حروبها تكلفة واتساعاً في قطاع غزة، برز اسم مجموعة مالية عملاقة بوصفها أكبر ممول أجنبي منفرد للحكومة الإسرائيلية، متجاوزة في حجم استثماراتها مجتمعة ما تمتلكه دول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من السندات الحكومية الإسرائيلية.
وكشف تحقيق نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني أن مجموعة أليانز الألمانية، المتخصصة في التأمين والخدمات المالية، إلى جانب شركتها التابعة بيمكو، أكبر مدير نشط للسندات في العالم، راكمتا استثمارات ضخمة في السندات السيادية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب، ما جعلهما في صدارة الجهات الأجنبية الممولة للحكومة الإسرائيلية.
وبحسب بيانات أعدتها مؤسسة «بروفوندو» الهولندية المتخصصة في أبحاث الاستدامة، بلغت حيازات مجموعة أليانز من السندات الحكومية الإسرائيلية نحو 2.67 مليار دولار بحلول سبتمبر/أيلول 2025، وهو ما مثل أكثر من نصف إجمالي الحيازات الأجنبية غير الإسرائيلية المدرجة في قاعدة البيانات.
قفزة استثنائية في الاستثمارات
تشير البيانات إلى أن استثمارات أليانز وبيمكو في السندات الإسرائيلية شهدت نمواً غير مسبوق خلال أقل من عام واحد. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 كانت حيازات المجموعة لا تتجاوز 32 مليون دولار، قبل أن تقفز إلى نحو 2.6 مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2025.
ويعكس هذا النمو الواسع زيادة كبيرة في الطلب الغربي على السندات الإسرائيلية خلال فترة الحرب، إذ ارتفعت الحيازات الأجنبية الإجمالية من 1.16 مليار دولار أواخر 2024 إلى نحو 4.91 مليارات دولار بحلول مارس/آذار 2026.
كما أظهرت البيانات أن الولايات المتحدة وألمانيا استحوذتا معاً على أكثر من 90% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في السندات الإسرائيلية، بينما جاءت بقية الدول بفارق كبير.
سندات الحرب وعوائد مرتفعة
تعتمد الحكومات على إصدار السندات لتمويل الإنفاق العام وسداد الالتزامات المالية، إلا أن السندات الإسرائيلية اكتسبت أهمية خاصة خلال الحرب، بعدما تحولت إلى أحد المصادر الرئيسية لتمويل العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران.
وخلال فترة الحرب، ارتفع متوسط الفائدة على السندات الإسرائيلية الجديدة إلى نحو 5.56% مقارنة بنحو 1.4% فقط قبل الحرب، ما جعلها أكثر جاذبية للمؤسسات الاستثمارية الباحثة عن عوائد مرتفعة رغم المخاطر السياسية والقانونية.
ويرى منتقدون أن الاستثمار في سندات حكومة تواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية تتجاوز الاعتبارات الاستثمارية التقليدية.
انتقادات حقوقية متزايدة
وقال ماكس هامر، الناشط في منظمة «بانك تراك» المعنية بمراقبة أثر المؤسسات المالية على حقوق الإنسان، إن استمرار بيمكو في شراء السندات الإسرائيلية يعكس تجاهلاً واضحاً للالتزامات المرتبطة بحقوق الإنسان.
وأضاف أن عدداً من المؤسسات الاستثمارية الأوروبية اختار تقليص أو إنهاء استثماراته المرتبطة بإسرائيل خلال السنوات الأخيرة، في وقت واصلت فيه أليانز وبيمكو زيادة انكشافهما على السندات الإسرائيلية.
كما أشار إلى أن منظمات حقوقية وخبراء قانونيين ومسؤولين أمميين حذروا من أن التمويل المتدفق إلى إسرائيل خلال الحرب قد يسهم بصورة غير مباشرة في دعم عمليات عسكرية تواجه انتقادات دولية واسعة.
بيمكو.. اللاعب الخفي في سوق السندات
تُعد شركة بيمكو، التي تأسست في كاليفورنيا عام 1971، واحدة من أكبر المؤسسات المالية المتخصصة في إدارة أدوات الدخل الثابت عالمياً، حيث تدير أصولاً تتجاوز 2.27 تريليون دولار.
ومنذ استحواذ أليانز عليها عام 2000، أصبحت بيمكو الذراع الرئيسية للمجموعة في إدارة استثمارات السندات العالمية، بما في ذلك السندات الحكومية الإسرائيلية.
ولا يقتصر دور الشركة على الاستثمار المباشر عبر صناديقها الخاصة، بل تدير أيضاً أموال صناديق تقاعد وصناديق ثروة سيادية ومؤسسات مالية كبرى حول العالم، ما يعني أن حجم تعرضها الفعلي للسندات الإسرائيلية قد يكون أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.
الولايات المتحدة تتصدر المشهد
وعلى الرغم من أن أليانز تُصنف كشركة ألمانية، فإن التحقيق يشير إلى أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات يُدار عملياً من الولايات المتحدة عبر بيمكو.
فقد بلغت قيمة السندات الإسرائيلية التي يحتفظ بها مستثمرون أمريكيون أكثر من ملياري دولار بحلول مارس/آذار 2026، مع استمرار الاتجاه التصاعدي دون مؤشرات على التراجع.
كما تجاوزت شركة فانغارد الأمريكية حاجز المليار دولار من السندات الإسرائيلية للمرة الأولى خلال الفترة نفسها، ما يعكس استمرار تدفق رؤوس الأموال الأمريكية إلى أدوات الدين الإسرائيلية رغم الجدل السياسي والحقوقي المحيط بها.
أوروبا بين التوسع والتخارج
في المقابل، شهدت أوروبا اتجاهاً أكثر تبايناً. ففي الوقت الذي عززت فيه أليانز وبيمكو استثماراتهما في السندات الإسرائيلية، قررت مؤسسات أوروبية أخرى تقليص أو إنهاء انكشافها على السوق الإسرائيلية.
فقد أعلن صندوق تقاعد الأكاديميين الدنماركي استبعاد إسرائيل من استثماراته، بينما باع الصندوق الاستثماري الاستراتيجي الإيرلندي حيازاته من السندات الإسرائيلية، واتخذ صندوق التقاعد الحكومي النرويجي خطوات مماثلة تجاه عدد من الشركات والبنوك الإسرائيلية.
ويعكس هذا التباين انقساماً متزايداً داخل الأوساط المالية الغربية بشأن التعامل مع الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل في ظل استمرار الحرب والاتهامات الحقوقية الموجهة إليها.
جدل متصاعد حول تمويل الحرب
ومع تصاعد الضغوط الحقوقية والاحتجاجات المناهضة للحرب، باتت استثمارات أليانز وبيمكو في السندات الحكومية الإسرائيلية محور جدل متزايد داخل الأوساط السياسية والمالية.
فبينما تؤكد المؤسسات الاستثمارية أن قراراتها تستند إلى اعتبارات مالية واقتصادية بحتة، يرى منتقدون أن ضخ مليارات الدولارات في السندات الإسرائيلية خلال فترة الحرب يجعل هذه المؤسسات جزءاً من شبكة التمويل التي ساعدت الحكومة الإسرائيلية على مواصلة عملياتها العسكرية.
وفي ظل استمرار الجدل، تبقى أليانز وبيمكو في صدارة المشهد بوصفهما أكبر ممول أجنبي معروف للسندات الحكومية الإسرائيلية خلال سنوات الحرب الأخيرة، وسط تساؤلات متزايدة بشأن الأبعاد السياسية والأخلاقية لهذه الاستثمارات الضخمة.
اقرأ المزيد
الدفاع الجوي الإيراني يعود إلى الواجهة.. هل ساعدت روسيا طهران في تتبع مسارات الطائرات الأمريكية؟
إيران تدرس صواريخ «توماهوك» أميركية.. وملف النازحين ودور الإمارات يفتحان أسئلة ما بعد الحرب

