وطن-في مخيم السمارة للاجئين الصحراويين بولاية تندوف جنوب غربي الجزائر، لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة عابرة تُمارس فوق أرض قاسية أنهكتها الشمس. فمع كل ركلة للكرة على الملعب الترابي، يتصاعد غبار برتقالي في الهواء، بينما يتجمع شبان ومراهقون في ساعة متأخرة من النهار لخوض مباراتهم الأسبوعية، وسط حرارة لا تهدأ وحديث لا ينقطع عن كأس العالم المقامة على بعد آلاف الكيلومترات في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية، في تقرير من داخل مخيم السمارة، إن كرة القدم تمثل بالنسبة إلى كثير من اللاجئين الصحراويين أكثر من وسيلة للترفيه، فهي واحدة من التفاصيل القليلة الثابتة في حياة صنعتها سنوات طويلة من اللجوء والانتظار، كما أنها تتحول خلال البطولات الكبرى إلى مساحة للتعبير عن الانتماء والوفاء السياسي والإنساني للجزائر.
وسط الملعب البدائي، حيث لا مدرجات ولا عشب أخضر، يتابع السكان المباراة بشغف. لكن النقاش الدائر على أطراف الملعب لا يتوقف عند أسماء اللاعبين أو نتائج المباريات المحلية، بل ينصرف سريعاً إلى المنتخب الجزائري وفرصه في كأس العالم 2026. يقول حفدلة محمد، أحد الحاضرين، للصحيفة: «أعتقد أن منتخب الجزائر سيقدم أداء جيداً».
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن هذا التفاؤل لا يأتي فقط من محبة كرة القدم، بل من علاقة عميقة تربط اللاجئين الصحراويين بالجزائر، البلد الذي استقبلهم منذ عقود، واحتضن أجيالاً ولدت ونشأت في مخيمات تندوف. يقول خليل، صديق حفدلة، وهو يبتسم بينما يبدأ اللاعبون في الجدل حول تقسيم الفريقين: «نلعب مرة واحدة على الأقل كل أسبوع».
في شوارع المخيمات، تحضر كرة القدم في تفاصيل الحياة اليومية. الأطفال يركضون خلف الكرة في الأزقة الترابية، والعائلات تتجمع حول أجهزة تلفاز قديمة لمتابعة البطولات الكبرى. ومع انطلاق كأس العالم، تتجه الأنظار في المخيمات الصحراوية إلى منتخب واحد تقريباً: الجزائر.
وتوضح الصحيفة أن دعم الصحراويين للمنتخب الجزائري متجذر في الذاكرة الجماعية، وليس مجرد حماس رياضي مؤقت. فبحسب الأمم المتحدة، يعيش اليوم أكثر من 173 ألف لاجئ صحراوي في مخيمات داخل الجزائر، غالبيتهم فروا من الصحراء الغربية بعد انسحاب إسبانيا من الإقليم في سبعينيات القرن الماضي، ثم اندلاع الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية.
وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن نحو 10 آلاف شخص كانوا يعيشون في الجزء الخاضع لسيطرة جبهة البوليساريو، والذي يشكل قرابة 20% من مساحة الصحراء الغربية، قبل أن يتجدد الصراع بين الجبهة والمغرب عام 2020، ما دفع معظمهم إلى الفرار. وبعد ما يقارب خمسة عقود على انسحاب إسبانيا، وُلدت أجيال كاملة من الصحراويين ونشأت في المخيمات المحيطة بتندوف، حيث بقيت الجزائر الحليف الإقليمي الأبرز لجبهة البوليساريو، والمضيف الرئيسي للاجئين.
هذه العلاقة الطويلة انعكست على تفاصيل الحياة اليومية في المخيمات. فقد درس كثير من الصحراويين في المدارس والجامعات الجزائرية، وتلقوا العلاج في مؤسسات صحية جزائرية، ونسجوا روابط عائلية وثقافية وسياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. ولهذا، لا يُنظر إلى الجزائر داخل المخيمات بوصفها دولة مضيفة فقط، بل كشريك تاريخي في مسار سياسي وإنساني ممتد.
وقال إبراهيم سالم، أحد سكان المخيم، للصحيفة: «دعمي للجزائر غير مشروط». وأضاف: «بالنسبة إلينا، الجزائر ليست مجرد جار. إنها دولة وقفت ضد الظلم، ومنحتنا الأمان عندما كنا في أمسّ الحاجة إليه».
وتنقل “ميدل إيست آي” جانباً آخر من هذا الارتباط عبر شهادة الغالية، وهي امرأة صحراوية في أواخر الستينيات من عمرها، تتذكر لحظة وصولها إلى الجزائر بعد فرارها من الحرب. تقول: «أتذكر أننا لم نكن نملك مكاناً نذهب إليه، فاستقبلتنا الجزائر بأذرع مفتوحة».
وتستعيد الغالية، بحسب الصحيفة، فرحة الصحراويين بفوز الجزائر بكأس أمم إفريقيا عام 2019، قائلة إن المخيمات عاشت حينها ليلة استثنائية: «عندما فازت الجزائر بكأس إفريقيا، احتفلنا بالزغاريد. تجمع الناس وواصلوا الاحتفال حتى وقت متأخر من الليل».
لكن خلف هذا الحماس الكروي، تبقى قضية اللجوء والصراع المفتوح حاضرة في الوجدان الصحراوي. فالصحراويون لا يملكون منتخباً معترفاً به دولياً يشارك في بطولات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أو في المنافسات الكبرى، وهو ما يجعل تشجيع الجزائر، بالنسبة إلى كثيرين، بديلاً عاطفياً ورمزياً عن حلم لم يتحقق بعد.
وتقول الصحيفة إن معظم اللاجئين الذين تحدثت إليهم ما زالت ذكريات النزوح والحرب والانفصال عن الوطن الأصلي تشكل جزءاً أساسياً من هويتهم. وبالنسبة إلى إبراهيم سالم، فإن استمرار النزاع وعدم حله يفسران قوة التماهي مع الجزائر في البطولات الدولية. يقول: «نحن كصحراويين لا نستطيع المنافسة رسمياً حتى الآن، لذلك فإن الفخر الذي لا يمكننا التعبير عنه داخل الملعب، نمنحه كاملاً للجزائر. في كل بطولة، نكون أكثر مشجعيها وفاءً».
وعلى امتداد عقود، تعزز هذا الولاء عبر روابط سياسية وإنسانية واجتماعية بين اللاجئين الصحراويين والجزائر. وفي المخيمات، تستمر الحياة بإيقاعها المعتاد: مباريات كرة قدم على أرض ترابية، وجبات مشتركة، وسهرات طويلة أمام شاشات التلفاز لمتابعة مباريات كأس العالم.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، حسم خليل وحفدلة خطتهما خلال البطولة منذ الآن. يقولان: «سنشاهد كل مباريات الجزائر معاً، مهما كان وقتها متأخراً». أما الغالية، فتختصر أمنيتها بجملة واحدة: «أدعو أن تجعلنا الجزائر سعداء مرة أخرى».
اقرأ أيضاً
المغرب في الصدارة.. أفضل قمصان منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كأس العالم 2026
11 مليار دولار لـ«فيفا».. ودول أمريكا الوسطى عاجزة حتى عن استضافة مباراة في كأس العالم!

