وطن-لم يعد التوتر مجرد شعور عابر يرتبط بيوم عمل شاق أو امتحان مهم أو موقف ضاغط، بل قد يتحول لدى كثيرين إلى حالة مستمرة تستنزف الجسد والعقل معاً. فالإرهاق الدائم، وشدّ العضلات، واضطرابات النوم، وخفقان القلب، ليست دائماً أعراضاً منفصلة، بل قد تكون مؤشرات واضحة على ما يعرف بـ«التوتر المزمن»، وهو حالة نفسية وجسدية قد تترك آثاراً عميقة إذا لم تُكتشف مبكراً.
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن التوتر في حد ذاته ليس أمراً سلبياً دائماً، إذ يمكن أن يكون مفيداً عندما يظهر بمستويات معتدلة ولفترات قصيرة، لأنه يساعد الإنسان على سرعة الاستجابة، ويعزز الأداء، ويرفع القدرة الذهنية والبدنية في المواقف التي تتطلب تركيزاً عالياً، مثل الاختبارات الدراسية أو مقابلات العمل أو المنافسات الرياضية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حالة التأهب المؤقتة إلى نمط دائم يستمر لأسابيع أو أشهر.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن استمرار الشعور بالضغط لفترات طويلة قد يكون علامة على التوتر المزمن، وهو حالة من التنشيط المستمر للجهاز العصبي أمام مواقف يراها الشخص مهددة أو يصعب التعامل معها، سواء كانت مرتبطة بضغوط العمل، أو مشكلات أسرية، أو مرض شخصي، أو مرض أحد المقربين. ويؤكد متخصصون في مستشفى كلينيك برشلونة أن هذا النوع من الاستجابة للتوتر كثيراً ما يتم التعامل معه باعتباره أمراً طبيعياً، رغم أنه قد يؤثر على الصحة الجسدية والنفسية على المدى الطويل.
ويختلف التوتر المزمن عن التوتر الحاد؛ فالأخير يستمر عادة دقائق أو ساعات، ثم يزول بانتهاء السبب الذي أدى إليه. أما التوتر المزمن فيبقي الجسم في حالة استنفار مستمر، حيث يواصل الدماغ إرسال إشارات فسيولوجية ونفسية متكررة، وكأن الإنسان مضطر إلى التعامل مع خطر دائم لا ينتهي.
وأضافت صحيفة “لا فانغوارديا” أن أبرز أعراض التوتر المزمن تشمل التعب المستمر، والتوتر العضلي، واضطرابات النوم، وخفقان القلب. وعلى المستوى النفسي والعاطفي قد تظهر علامات مثل سرعة الانفعال، والقلق، وضعف التركيز، ومشكلات الذاكرة. وفي كثير من الحالات، يعيش الأشخاص مع هذه الأعراض لأشهر طويلة دون ربطها بالتوتر المزمن، ما يؤخر البحث عن حلول مناسبة.
ولا يقتصر تأثير التوتر المزمن على الحالة النفسية فقط، بل يمتد إلى وظائف الجسم المختلفة. فقد يؤثر في كفاءة الجهاز المناعي، ويبطئ التعافي من الأمراض، كما قد يضعف القدرات الإدراكية مثل الانتباه والذاكرة. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى صعوبة الالتزام بالعلاج الطبي أو نسيان التعليمات الصحية، ما ينعكس سلباً على الحالة العامة للمريض.
وكشفت الصحيفة أن استمرار التوتر لفترة طويلة قد يدفع الشخص أيضاً إلى تبني عادات غير صحية، مثل النوم لساعات أقل، أو تراجع جودة النوم، أو إهمال النظام الغذائي، أو زيادة استهلاك الكحول ومواد أخرى. ومع الوقت، تتداخل هذه السلوكيات مع أعراض التوتر، فيتفاقم الوضع ويصبح الخروج من الدائرة أكثر صعوبة.
وعلى الرغم من أن التوتر المزمن لا يُصنّف مرضاً مستقلاً بحد ذاته، فإنه يرتبط بشكل وثيق باضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب واضطرابات التكيف. كما يمكن أن يزيد حدة مشكلات صحية موجودة مسبقاً، ويؤثر بصورة مباشرة في جودة الحياة، سواء على مستوى العمل أو العلاقات الاجتماعية أو القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
وشدد متخصصون، وفق ما نقلته “لا فانغوارديا”، على أهمية اكتشاف التوتر المزمن في وقت مبكر، لأن التعامل معه يصبح أكثر فاعلية كلما بدأ الشخص في ملاحظة علاماته الأولى. وتشمل الأساليب التي قد تساعد في السيطرة على الأعراض تمارين الاسترخاء، وتقنيات التنفس، والتأمل، وممارسة النشاط البدني بانتظام، إلى جانب الحصول على دعم اجتماعي من الأسرة أو الأصدقاء.
وفي بعض الحالات، قد تكون الأدوية عاملاً مساعداً خلال مرحلة التعافي، لكنها يجب أن تستخدم تحت إشراف طبي فقط، خصوصاً عندما تكون الأعراض شديدة أو مصحوبة باضطرابات نوم أو قلق واضح أو تراجع في القدرة على أداء المهام اليومية.
وتؤكد الصحيفة أن اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية يصبح ضرورياً عندما يكون الشعور بالضغط قوياً أو مستمراً أو مؤثراً في تفاصيل الحياة اليومية. فالتوتر جزء من حياة الإنسان، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول إلى حالة دائمة تفرض حضورها على الجسد والعقل، وتمنع الشخص من استعادة توازنه الطبيعي.
قد يعجبك
من الشقيقة إلى الصداع العنقودي.. أكثر من 150 شكلاً لآلام الرأس يحدد الأطباء أسبابها وعلاجها
تقنية “الدوس على الملح” لتحسين النوم خلال موجات الحر.. هل تساعد على الاسترخاء في أقل من 10 دقائق
أفضل وضعية نوم لصحة القلب.. أطباء يكشفون الوضعية المثالية ويحذرون من النوم على البطن

