وطن-حذّرت الاستخبارات اللاتفية من أن روسيا قد تكون بصدد التحضير لاستفزازات عسكرية أو هجمات هجينة ضد دول البلطيق أو بولندا، في محاولة للضغط على دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» ودفعها إلى تقليص دعمها لأوكرانيا، رغم أن موسكو ليست مستعدة حالياً لخوض حرب تقليدية واسعة مع الحلف.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” الأمريكية، في تقرير نشرته عبر منصتها الرقمية، إن أجهزة الاستخبارات في لاتفيا ترى أن الخطر الأكثر إلحاحاً لا يتمثل في غزو روسي مباشر لدولة عضو في الناتو، بل في احتمال ارتكاب الكرملين خطأ في الحسابات نتيجة عزلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واعتماده على مؤسسات تنقل إليه صورة مشوّهة عن الواقع.
ونقلت “فوكس نيوز” عن الاستخبارات اللاتفية قولها: «نرى مؤشرات على أن روسيا تستعد لاستفزازات عسكرية ضد دول البلطيق أو بولندا، ليس حرباً تقليدية لأن روسيا غير قادرة على ذلك في الوقت الحالي، بل هجمات هجينة مثل الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو تحركات أخرى تهدف إلى إرسال رسالة مفادها: توقفوا عن دعم أوكرانيا وإلا ستواجهون مشكلاتكم الخاصة».
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأن دول البلطيق وبولندا أعضاء في حلف الناتو، ما يعني أن أي استفزاز روسي ضدها قد يضع تعهدات الدفاع الجماعي للحلف، وفي مقدمتها التزامات الولايات المتحدة، أمام اختبار مباشر، وقد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع في أوروبا.
وبحسب ما أوردته صحيفة “فوكس نيوز”، تأتي هذه التقديرات في وقت تواصل فيه واشنطن وحلفاؤها الغربيون بحث حدود الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، بالتوازي مع تشديد العقوبات على موسكو ومحاولة تقليص قدرتها على تمويل الحرب.
وترى الاستخبارات اللاتفية أن الرئيس الروسي لا يبحث فقط عن وسائل لإجبار دول الناتو على التراجع عن دعم كييف، بل قد يكون أيضاً محاطاً بتقييمات داخلية غير دقيقة تعزز قناعته بأن الغرب غير موحّد أو غير مستعد للمواجهة، وهو ما يرفع احتمالات سوء التقدير.
وقالت الاستخبارات اللاتفية للصحيفة الأمريكية: «الخطر الأكبر هو الخطأ في الحسابات. المؤسسات الروسية تخبر بوتين بما يريد سماعه، وهذا يخلق دائرة خطيرة قد تقود إلى قرارات حمقاء وعديمة المعنى».
وأضافت، بحسب “فوكس نيوز”: «نرى مزيداً من المؤشرات على أن بوتين يريد تلقي الأخبار الإيجابية فقط. إنه معزول، وهذا يجعل عملية صنع القرار أكثر إشكالية، لأن القرارات لا تُبنى على الوضع الحقيقي».
وتتوافق التحذيرات اللاتفية مع مخاوف عبّر عنها مسؤولون بولنديون خلال تغطية ميدانية أجرتها «فوكس نيوز ديجيتال» في بولندا خلال يونيو، حيث أكد مسؤولون أن الحرب الهجينة الروسية ضد الجناح الشرقي لحلف الناتو بدأت بالفعل، ولم تعد مجرد احتمال نظري.
وأشارت الصحيفة إلى أن نائب وزير الخارجية البولندي مارسين بوساتسكي تحدّث عن عمليات اغتيال، ونشاط للطائرات المسيّرة، وهجمات سيبرانية، واعتداءات على بنى تحتية حيوية داخل أراضي دول الناتو، بينها هجوم سيبراني قال إنه حرّضت عليه روسيا واستهدف منشآت الطاقة في بولندا بهدف «إظلام جزء من البلاد».
كما نقلت “فوكس نيوز” عن السفير كشيشتوف أوليندزكي قوله إن الحدود مع بيلاروس أصبحت جزءاً من حملة روسية بيلاروسية تستخدم الهجرة غير الشرعية كسلاح ضد دول الناتو، في إطار الضغط المستمر على الجبهة الشرقية للحلف.
وفي جانب آخر من التقييم، أكدت الاستخبارات اللاتفية أن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بدأت تُحدث أثراً فعلياً داخل البلاد، على الرغم من الخطاب الرسمي الروسي الذي يقلل من أهميتها ويزعم أن موسكو تمكنت من امتصاصها.
وقالت الاستخبارات اللاتفية لصحيفة «فوكس نيوز ديجيتال»: «تقول روسيا علناً إن العقوبات لا تهم، لكن تقييماتها الداخلية تظهر أن العقوبات تؤلمها. قد لا تغيّر طريقة تفكير بوتين، لكنها تحد من الموارد المالية الروسية، وبالتالي من الفرص والقدرة على المناورة، وتجبر موسكو على اتخاذ خيارات صعبة بشأن التجنيد والإنفاق العسكري والضغط على الشركات».
وأضافت الاستخبارات، وفق الصحيفة الأمريكية، أن «اقتصاد الحرب الروسي يشبه بيتاً من ورق آيلاً للانهيار»، في إشارة إلى هشاشة النموذج الاقتصادي الذي تعتمد عليه موسكو لتمويل العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وتأتي هذه التقديرات بالتزامن مع إصدار مكتب حماية الدستور في لاتفيا، المعروف اختصاراً باسم SAB، تقريراً عاماً حذّر فيه من تصعيد روسي في ما وصفه بـ«الحرب القانونية» ضد الغرب، من خلال استخدام المحاكم والدعاوى القانونية والمؤسسات الدولية للضغط على الحكومات الغربية وإضعاف دعمها لأوكرانيا.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز”، يوضح التقرير أن روسيا تدرس تجربة إيران في الطعن على العقوبات الغربية عبر الآليات القانونية الدولية، خاصة القضية التي رفعتها طهران ضد الولايات المتحدة عام 2016 أمام محكمة العدل الدولية، وتسعى موسكو إلى تكييف أساليب مشابهة ضد الدول الغربية.
وقالت الاستخبارات اللاتفية في هذا السياق: «إذا أردتم دفع روسيا نحو اتفاق سلام مقبول لأوكرانيا والغرب، فإن العقوبات هي الآلية الصحيحة. نحن بحاجة إلى مزيد من الضغط الدولي على روسيا من خلال العقوبات».
وحذّر تقرير مكتب حماية الدستور اللاتفي أيضاً من أن روسيا أعدّت شكوى ضد دول البلطيق أمام محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، تتهمها رسمياً بالتمييز ضد الروس والمتحدثين باللغة الروسية.
وترى الاستخبارات اللاتفية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز»، أن الحملة القانونية الروسية لا تستهدف قاعات المحاكم فقط، بل تهدف إلى بناء رواية سياسية يمكن لموسكو استخدامها لاحقاً كمبرر لتحركات أكثر عدوانية أو عمليات ضغط وابتزاز.
وقالت الاستخبارات اللاتفية: «تعتقد روسيا أن دول البلطيق تُدار من قبل نخب موالية لأمريكا ومنفصلة عن شعوبها. لقد ارتكبت خطأ مشابهاً بشأن أوكرانيا قبل الغزو، ولذلك فإن هذا التصور يثير قلقنا».
ويشير تقرير مكتب حماية الدستور إلى أن موسكو تحاول تحويل الدعاية السياسية إلى أدوات قانونية وتحركات سياسية، موضحاً أن الشكوى الروسية المخطط لها تعتمد على «نهج شديد التلاعب» في التعامل مع القانون الدولي، عبر تفسيرات انتقائية للمعايير الدولية وما وصفه التقرير بـ«أدلة متخيلة» على مزاعم التمييز.
وتخشى لاتفيا من أن تستخدم روسيا هذه المزاعم لتبرير الضغط أو الترهيب أو تنفيذ عمليات هجينة، بالطريقة نفسها التي استخدمتها موسكو عندما ادّعت أنها تتحرك لحماية سكان دونباس قبل غزو أوكرانيا.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، شددت الاستخبارات اللاتفية على أنه لا توجد حالياً تهديدات عسكرية مباشرة ضد لاتفيا، مؤكدة أن سيناريو الغزو الشامل غير مطروح في المدى القريب.
وقالت الاستخبارات لصحيفة “فوكس نيوز”: «حالياً لا توجد تهديدات عسكرية ضد لاتفيا. لسنا قلقين من غزو واسع النطاق الآن. ستحتاج روسيا إلى ما بين ثلاث وخمس سنوات، حتى لو انتهت الحرب في أوكرانيا اليوم، لإعادة بناء قدرات كافية. ما يقلقنا الآن هو الاستفزازات، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات الهجينة الأخرى».
وفي خلفية هذه التحذيرات، كانت الخبيرة في الأمن القومي ونائبة رئيس معهد ليكسينغتون، الدكتورة ريبيكا غرانت، قد قالت في مداخلة على “فوكس نيوز” إن بوتين «قلق فعلاً» من تأثير هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية داخل روسيا، ومن انعكاساتها على صورة القوة الروسية، خصوصاً مع استمرار كييف في استهداف العمق الروسي بقدرات متزايدة.
وتعكس هذه التقييمات الغربية واللاتفية صورة أكثر تعقيداً للمشهد الأمني في أوروبا الشرقية؛ فروسيا، بحسب الاستخبارات اللاتفية، لا تبدو قادرة حالياً على مواجهة عسكرية تقليدية مع الناتو، لكنها قد تلجأ إلى التصعيد المحسوب أو الهجمات الهجينة لإرباك الحلف، فيما يظل خطر سوء تقدير بوتين، في ظل عزلته وتلقيه معلومات غير واقعية، عاملاً قد يدفع الأزمة إلى مسارات أكثر خطورة.
اقرأ المزيد
حينما يصبح الحكم تعويضاً نفسياً.. ما الذي يجمع بين طفولة ترامب وبوتين وهتلر؟
خلف ظهر الناتو.. كواليس المناورة الروسية التي وضعت زيلينسكي في مصيدة ترامب
روسيا تسقط 91 طائرة مسيّرة أوكرانية قرب مقر بوتين وتصعّد تحذيراتها ضد كييف

