وطن-يتوجه الناخبون في الجزائر، اليوم الخميس 2 يوليو 2026، إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني، في انتخابات برلمانية تحظى بمتابعة واسعة بسبب القلق من ضعف نسبة المشاركة، وتزايد الضغوط الاجتماعية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الجدل السياسي بشأن استبعاد عدد من المرشحين المعارضين أو المحسوبين على تيارات ناقدة للسلطة.
وقالت وكالة “أسوشيتد برس” إن الانتخابات تجري في أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة، وسط فتور انتخابي واضح انعكس على ضعف الإقبال على التجمعات الدعائية، الأمر الذي دفع الحكومة الجزائرية إلى إعلان يوم الاقتراع عطلة وطنية مدفوعة الأجر، في محاولة لتشجيع المواطنين على التوجه إلى مراكز التصويت.
ويبلغ عدد المسجلين في القوائم الانتخابية، بمن فيهم أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، 24 مليونًا و727 ألفًا و41 ناخبًا، بحسب ما أوردته وكالة إيفي، التي نشرت صورًا من عملية التصويت في العاصمة الجزائر. ويتنافس في هذه الانتخابات 1235 مرشحًا على 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى للبرلمان، ضمن الولاية التشريعية العاشرة التي تمتد لخمس سنوات.
وتأتي الانتخابات البرلمانية الجزائرية في مناخ اجتماعي ضاغط، إذ تبدو اهتمامات شريحة واسعة من الجزائريين منصرفة إلى قضايا يومية أكثر إلحاحًا، مثل القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وتراجع بعض الخدمات العامة، بدل الانخراط في النقاشات الانتخابية التقليدية. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن هذا المزاج العام يتزامن مع استمرار القيود المفروضة على الحريات السياسية والإعلامية والنقابية خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز نسبة المشاركة كأحد أهم مؤشرات هذه الانتخابات، لا سيما بعد أن أدار كثير من الناخبين ظهورهم للفعاليات الحزبية خلال الحملة. وفي محاولة لكسر حالة العزوف، لجأت السلطات إلى إجراءات تنظيمية، من بينها منح عطلة مدفوعة الأجر يوم التصويت، وتوفير الترتيبات اللوجستية اللازمة في المدارس والمراكز العامة.
كما تزامن يوم الاقتراع مع انشغال لافت لدى عدد من الجزائريين بمتابعة منتخب بلادهم في كأس العالم، حيث يخوض المنتخب الجزائري مواجهة إقصائية أمام سويسرا في الساعات الأولى من صباح الجمعة، وهو ما أضاف عاملًا آخر إلى المشهد العام، وفق ما أشارت إليه أسوشيتد برس في تقريرها عن أجواء الانتخابات.
سياسيًا، تدخل الأغلبية الحاكمة الانتخابات وهي تملك نحو 300 مقعد في البرلمان المنتهية ولايته، بينما تعد حركة مجتمع السلم، ذات التوجه الإسلامي، ثاني أكبر قوة سياسية بنحو 64 نائبًا. ويقود حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب التاريخي في الجزائر، كتلة الموالاة الداعمة للرئيس عبد المجيد تبون.
وكشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن عددًا من مرشحي حركة مجتمع السلم كانوا ضمن 269 مرشحًا منعتهم السلطات الانتخابية من خوض السباق. وشملت قائمة المستبعدين أيضًا شخصيات وناشطين سابقين من حركة الحراك المؤيدة للديمقراطية، التي لعبت دورًا بارزًا في إنهاء حكم الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة عام 2019.
ومنذ تلك المرحلة، شددت السلطات الجزائرية تدريجيًا القيود على المجال العام في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية عام 2024. وتقول السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إن رفض ملفات بعض المرشحين جاء بسبب ما وصفته بـ”ارتباطات مع شبكات مالية غير مشروعة” و”أنشطة سياسية مشبوهة”، في حين يرى معارضون أن الإقصاءات تضيق هامش المنافسة السياسية.
وبحسب ما أوردته “أسوشيتد برس”، شهدت العاصمة الجزائر، الأربعاء، انتشارًا أمنيًا أمام عدد من مراكز الاقتراع، في إطار التحضيرات لتأمين العملية الانتخابية. أما في جنوب البلاد ومناطق الصحراء الكبرى، فقد بدأت عملية التصويت قبل الموعد العام بـ48 ساعة، لإتاحة الفرصة للسكان الرحّل للإدلاء بأصواتهم.
وفي تلك المناطق الصحراوية، نُقلت صناديق الاقتراع عبر مركبات إدارية رباعية الدفع، تحت مرافقة أمنية، للوصول إلى التجمعات النائية والبدو الرحّل. وتعد هذه الترتيبات جزءًا من الخصوصية التنظيمية للانتخابات في الجزائر، نظرًا لاتساع الرقعة الجغرافية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
أما الجالية الجزائرية في الخارج، التي تضم نحو 854 ألفًا و225 ناخبًا مسجلًا، فقد صوّتت يومي السبت والأحد في القنصليات الجزائرية بمختلف الدول، خصوصًا في فرنسا التي تحتضن أكبر جالية جزائرية خارج البلاد. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية APS، شهد التصويت في الخارج مشاركة وصفتها بـ”المرتفعة” وسط “أجواء عائلية”.
ولإنجاح العملية الانتخابية داخليًا، عمدت الحكومة إلى تقديم مواعيد امتحانات نهاية السنة الدراسية، بهدف تحرير القاعات الدراسية والأساتذة الذين يُستعان بهم عادة في مكاتب التصويت مقابل تعويض يومي. ووفق وكالة أسوشيتد برس، تعكس هذه الخطوة رغبة السلطات في توفير أكبر قدر من الموارد البشرية واللوجستية ليوم الاقتراع.
وخلال الحملة الانتخابية، واجهت الأحزاب والمرشحون المستقلون صعوبة في جذب الجماهير إلى التجمعات التقليدية، ما دفع كثيرين إلى تنظيم ما عُرف بـ”لقاءات القرب” في الشوارع والأسواق والمقاهي الشعبية. وانتشر الأسبوع الماضي مقطع فيديو على نطاق واسع يظهر زعيم حزب سياسي يحاول إقناع شاب بالتصويت، من دون أن ينجح في ذلك، في مشهد اعتبره كثيرون دالًا على فتور الشارع الانتخابي.
وعلى الرغم من ضعف الحماس الشعبي، واصلت أحزاب الموالاة حملتها بالدعوة إلى مشاركة واسعة، معتبرة أن الإقبال على صناديق الاقتراع يعزز موقع الجزائر في مواجهة التحديات الجيوسياسية الإقليمية والدولية. ويتصدر حزب جبهة التحرير الوطني هذا الخطاب، مستندًا إلى تاريخه السياسي وموقعه داخل الأغلبية الرئاسية.
في المقابل، ركز حزب العمال المعارض، ذو التوجه التروتسكي، على الملفات الاجتماعية، داعيًا إلى رفع الأجور والمعاشات، ورافضًا إصلاحات في قطاع المناجم يقول الحزب إنها تمنح أفضلية للمستثمرين الأجانب على حساب المصالح الوطنية.
أما جبهة القوى الاشتراكية، التي تعد من أبرز أحزاب التيار الديمقراطي في الجزائر، فقد تبنت خطابًا يدعو إلى الإفراج عن السجناء السياسيين، وتوسيع حرية الصحافة، وتشجيع المواطنين على المشاركة في التصويت. ويرى زعيم الحزب أن مقاطعة الانتخابات لن تؤدي إلا إلى خدمة الحكومة، بحسب ما أوردته أسوشيتد برس.
وبين دعوات المشاركة، وفتور الشارع، والضغوط الاقتصادية، والاستبعادات السياسية، تبدو الانتخابات البرلمانية الجزائرية 2026 أكثر من مجرد سباق على مقاعد المجلس الشعبي الوطني؛ فهي اختبار جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ولمدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة ناخبين باتت همومهم اليومية أكثر حضورًا من الخطابات الانتخابية.
اقرأ المزيد
بـ 24.6 مليار دولار.. ميزانية الدفاع الجزائرية تفجر نقاشاً حول أولويات الإنفاق وسباق الردع الإقليمي
بفيتو الأمن المائي.. كيف أحبطت الجزائر صفقة المليار دولار لـ “طاقة” الإماراتية في إسبانيا؟
بين الإفراج عن “غليز” وتسليم المعارضين.. كواليس ساعتين ونصف من المفاوضات الساخنة بين تبون ودارمانان

