وطن-في مشهد أثار استغراب المتابعين للشأن الأمني الدولي، أظهرت لقطات مصوّرة رجل العصابات الأيرلندي كريستي كيناهان داخل “كوكاكولا أرينا” في دبي، وهو يتابع فعالية رياضية حاشدة، رغم صدور مذكرات اعتقال بحقه من جهات أمنية عدة ومكافآت بملايين الدولارات لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى توقيفه.
كشف تقرير استقصائي مشترك أجراه فريق من صحيفة صنداي تايمز ومنصة بيلينغكات، بالاستناد إلى صور وفيديوهات منشورة على الإنترنت، أن كريستي كيناهان ومعه ابنه دانيال يعيشان بحرية في دبي، في وقت تصنَّف فيه عائلته ضمن أبرز العصابات الإجرامية العابرة للحدود في أوروبا.
وفق التحقيق، تمكّن الصحفيون من تحديد مواقع ظهور الرجلين باستخدام تقنيات تحليل مفتوح المصدر، بينها أدوات للتعرف على الوجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحليل محتوى مرئي متاح للجمهور على شبكات التواصل الاجتماعي. وبعد مراجعة مقاطع بث مباشر لإحدى بطولات الفنون القتالية المختلطة في فبراير 2022، أكّد خبراء الطب الشرعي الرقمي أن الشخصين الظاهرين في اللقطات هما كريستي ودانيال كيناهان.
شبكة ثرية ومتشعبة
تُقدّر السلطات قيمة شبكة كيناهان المنظمة بنحو 1.1 مليار دولار، وتعدّ من أقوى الجماعات الإجرامية في أيرلندا. وتشير تقديرات جهاز الشرطة الأيرلندي إلى أن معظم شحنات المخدرات التي تهرّبها المجموعة من أوروبا القارية كانت تتجه إلى المملكة المتحدة، ما يجعلها من أكبر مورّدي المخدرات للسوق البريطانية.
كما تواجه الشبكة اتهامات دولية بإدارة أنشطة واسعة لتهريب الأسلحة وتبييض الأموال، إلى جانب صلاتها بشبكات تهريب تمتد عبر أفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا.
رصد علني بلا قلق
ووفق ما أورده التقرير، بدا كريستي كيناهان في الفيديو جالسًا في المقاعد المخصصة لكبار الشخصيات داخل القاعة، بين نحو ستة آلاف متفرج، من دون أن يظهر عليه أي توتر أو محاولة للاختفاء. وأشار التحقيق إلى أن الرجلين لم يبدُ عليهما أي قلق من احتمال توقيفهما أو ترحيلهما من دولة الإمارات.
ملاحقات وجوائز بملايين الدولارات
تصف وكالات إنفاذ القانون الأميركية كريستي كيناهان بأنه “العقل المدبّر” وراء تنظيم يملك نفوذًا يمتد عبر قارات عدة، ويتحكم في معظم كميات الكوكايين المهرّبة إلى أوروبا. وفي إطار الضغط على الشبكة، فرضت واشنطن عقوبات على العائلة، وأعلنت عن مكافآت تصل إلى خمسة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى تفكيك التنظيم.
وخلال سبتمبر الماضي، تحطّمت طائرة خفيفة في البرازيل أثناء نقلها نحو 200 كيلوغرام من كوكايين موسوم بعلامة “سبيس إكس”، ما أسفر عن مقتل طيّار أسترالي وكشف ارتباط العملية بخيوط شبكة كيناهان الممتدة بين القارات.
كما أظهرت سجلات قضائية أميركية أن وكالة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA) نجحت في التغلغل داخل إحدى عمليات تهريب تتبع للعائلة، وقدمت ما وصفته الصحيفة بـ”أول دليل ملموس” على نشاط الشبكة المباشر في أميركا الشمالية، وتوسعها نحو تهريب الميثامفيتامين والفنتانيل.
واقع يثير التساؤل
يثير هذا الظهور العلني لزعيم العصابة، رغم المطاردات والعقوبات، تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية الدولية على ضبط التحركات العابرة للدول، خاصة عندما يتعلق الأمر بجماعات تمتلك إمكانات مالية ضخمة وشبكات تغطي أكثر من قارة.
وتبقى القضية علامة بارزة في معركة مستمرة بين سلطات إنفاذ القانون العالمية وشبكات الجريمة المنظمة التي تعيد تشكيل نفسها باستمرار، مستفيدة من التكنولوجيا، والفراغات القانونية، والقدرة على الاندماج داخل الحياة المدنية في مدن كبرى مثل دبي.
وفي ظل هذه التطورات، تؤكد الجهات المعنية بأمن المجتمع الدولي أن ملاحقة مثل هذه الشبكات ليست مجرد قضية جنائية، بل جزء من معركة أوسع لحماية الاقتصاد العالمي من الأموال غير المشروعة، ولمنع انتشار السموم التي تدمر حياة الآلاف حول العالم.
اقرأ المزيد
دبي وأبوظبي بين وهم الأمان وواقع الحرب: الأثرياء يفرون والرياض تصبح بوابة النجاة
ما بعد القصف الإيراني لدبي.. هل انتهى زمن ‘الأمان التجاري’ في الشرق الأوسط؟
تقرير أممي: موانئ دبي وأبوظبي تتحول إلى مراكز رئيسية لتهريب الكبتاجون












