وطن-لم تُحقق القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ في بكين الأهداف الكبرى التي حملها ترامب معه إلى العاصمة الصينية، سواء في ملفات التجارة والتكنولوجيا أو في القضايا الجيوسياسية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز والاستثمارات المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “غلف نيوز”، نقله موقع “فرست بوست“، بدا ترامب خلال اللقاء وكأنه يسعى لانتزاع صفقة اقتصادية ضخمة من بكين، أكثر من كونه يقود مواجهة استراتيجية مع منافس عالمي بحجم الصين. وأعلن الرئيس الأمريكي أن شي جين بينغ وافق على شراء 200 طائرة ركاب من شركة بوينغ، غير أن السلطات الصينية تعاملت ببرود واضح مع هذا الإعلان، وامتنعت عن تأكيد الصفقة رسمياً، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها رسالة دبلوماسية مقصودة.
لكن الحدث الأبرز في القمة لم يكن اقتصادياً بقدر ما كان استراتيجياً. فقد أعاد شي جين بينغ التذكير بما يُعرف بـ«فخ ثوسيديدس»، وهو مفهوم سياسي مستمد من التاريخ اليوناني يشير إلى خطر الصدام بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة تخشى فقدان موقعها.
وترى “غلف نيوز” وفق ما نقله موقع “فرست بوست”، أن القمة لم تكن مجرد لقاء بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة المهيمنة، بل جمعت قوتين عظميين تواجهان في الوقت نفسه تحديات داخلية ثقيلة قد تُعيد رسم موازين القوة العالمية خلال العقود المقبلة.
الصين الصاعدة.. ولكن بأزمات داخلية عميقة
على الرغم من التقدم الصيني الكبير في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعة، تواجه بكين أزمات متراكمة لا تقل خطورة عن التحديات الأمريكية. فالصين تعاني تباطؤاً اقتصادياً واضحاً، وفائضاً ضخماً في الإنتاج الصناعي، إلى جانب ضعف الطلب الداخلي وتراجع النمو العقاري.
كما تواجه أزمة ديموغرافية متسارعة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان الصين قد ينخفض إلى نحو 1.31 مليار نسمة بحلول عام 2050، قبل أن يتراجع إلى ما يقارب 730 مليون نسمة مع نهاية القرن، بينما يُتوقع أن تحافظ الهند على عدد سكان يقترب من 1.5 مليار نسمة.
وترى الصحيفة أن هذه التحولات تجعل الصين أمام تحدٍ تاريخي: كيف تحافظ على صعودها العالمي في وقت يبدأ فيه المجتمع الصيني بالشيخوخة والانكماش السكاني؟
تايوان.. الرسالة الأخطر في القمة
في المقابل، لم يكن شي جين بينغ منشغلاً فقط بالتجارة أو التكنولوجيا خلال اللقاء مع ترامب، بل ركّز بشكل أساسي على ملف تايوان، الذي تعتبره بكين القضية الأكثر حساسية في علاقتها مع واشنطن. كما وجّه الرئيس الصيني رسالة واضحة إلى ترامب مفادها أن الصين مستعدة للذهاب إلى مواجهة عسكرية إذا تدخلت الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان.
وقال شي، إن «قضية تايوان هي الأهم في العلاقات الصينية الأمريكية، وإذا أسيء التعامل معها فقد تدخل الدولتان في نزاع يدفع العلاقات إلى مرحلة بالغة الخطورة».
هذه الرسالة تعكس، بحسب مراقبين، أن بكين لم تعد ترى تايوان مجرد ملف دبلوماسي، بل قضية سيادة قد تحدد شكل النظام العالمي المقبل.
الهند بين العملاقين
وتوقفت الصحيفة عند موقع الهند في الصراع المتصاعد بين واشنطن وبكين، معتبرة أن نيودلهي تحاول منذ سنوات الحفاظ على «توازن استراتيجي» يمنعها من الانحياز الكامل لأي طرف.
وقبل سنوات، عقد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ثلاث قمم غير رسمية مع شي جين بينغ، في محاولة للحفاظ على قنوات الحوار مع الصين. وفي الوقت نفسه، بنى علاقة وثيقة مع ترامب عبر فعاليات سياسية ضخمة مثل “Howdy Modi” و”Namaste Trump”.
لكن هذا التوازن تعرض لهزة قوية بعد اشتباكات وادي غالوان بين الهند والصين عام 2020، والتي كشفت أن التنافس الجيوسياسي في آسيا لم يعد قابلاً للإدارة بسهولة.
وترى “غلف نيوز” نقلا عن نقله موقع “فرست بوست” أن الصين تدرك أن ،الهند تتجه تدريجياً نحو التحول إلى قوة عالمية كبرى، ولذلك تعتمد بكين سياسة «الغموض التكتيكي» مع نيودلهي، عبر إبقاء النزاعات الحدودية مفتوحة وإثارة التوترات بشكل متكرر.
هل دخلت أمريكا فعلاً مرحلة التراجع؟
في الجانب الأمريكي، تشير الصحيفة إلى أن شعار «أمريكا أولاً» الذي رفعه ترامب لا يخفي التحديات الداخلية العميقة التي تواجهها الولايات المتحدة، من تضخم الدين العام وتراجع البنية التحتية إلى الانقسام السياسي الحاد والعنف الاجتماعي وتفكك الطبقة الوسطى.
واللافت أن ترامب نفسه ألمح، بعد القمة، إلى أن شي جين بينغ تحدث معه عن فكرة «تراجع الولايات المتحدة»، حيث كتب الرئيس الأمريكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن شي كان «محقاً بنسبة 100%» عندما أشار إلى الأضرار التي لحقت بأمريكا خلال سنوات إدارة بايدن.
وترى “فرست بوست” نقلا عن “غلف نيوز”، أن هذه التصريحات تكشف أن مسألة تراجع النفوذ الأمريكي لم تعد مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبحت جزءاً من الحوار المباشر بين قادة القوى الكبرى.
من خرج رابحاً من القمة؟
على الرغم من أن كثيرين رأوا أن الصين خرجت من القمة بمكاسب أكبر من الولايات المتحدة، فإن الصحيفة تعتبر أن الصورة أكثر تعقيداً.فالصين تبدو في صعود سريع، لكنها تواجه أزمات داخلية قد تجعل هذا الصعود أقصر مما يبدو. أما الولايات المتحدة، فليست في انهيار فوري، لكنها دخلت بالفعل مرحلة تراجع تدريجي في موقعها العالمي، حتى لو أخفت قوة الدولار وسوق الأسهم جزءاً من هذه الحقيقة.
وفي خلاصة التحليل، ترى «غلف نيوز» وفق ما نقله موقع “فرست بوست”، أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية تاريخية، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية مطلقة كما كانت، لكن الصين أيضاً لم تحسم معركة القيادة العالمية بعد. وبين القوتين، تبرز الهند باعتبارها الدولة التي قد تستفيد أكثر من إعادة تشكيل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
اقرأ أيضاً
صراع البر والبحر: كيف تلتف قطارات الصين على الهيمنة البحرية الأمريكية في خليج إيران؟
قصة وانغ تشونيان: 70 عاماً من الصمود في وجه التعذيب.. كيف دمر “الاضطهاد الصيني” عائلتها؟
“فخ الاستقرار الصعب”.. قمة بكين بين طموح ترامب في “الصفقة” وصبر شي “الاستراتيجي”
القس عزرا جين في محادثات ترامب وشي: هل تنهي “دبلوماسية القمم” معاناة عائلة كنيسة صهيون في بكين؟

