وطن-بينما تواصل الحكومة المصرية الحديث عن “التحول الأخضر” والتوسع في مشاريع الطاقة النظيفة، فجّرت صور الأقمار الصناعية وتقارير دولية جدلاً واسعاً حول مشروع ألواح الطاقة الشمسية فوق مباني الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، بعد ظهور مؤشرات على توقف المنظومة عن العمل رغم تكلفتها الضخمة.
كان يُفترض أن يحول المشروع الذي قُدِّم باعتباره أحد أبرز رموز “العاصمة الذكية”، عشرات المباني الوزارية إلى منشآت تعتمد على الطاقة النظيفة وتخفف الضغط عن شبكة الكهرباء في مصر، ضمن خطة حكومية للتوسع في الطاقة الشمسية وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
لكن تقارير حديثة وصور حرارية كشفت واقعاً مختلفاً تماماً.
ألواح بملايين الجنيهات… بلا كهرباء
بحسب المعلومات المتداولة، بلغت تكلفة منظومة الطاقة الشمسية فوق مباني الحي الحكومي أكثر من 140 مليون جنيه، وشملت تركيب ألواح فوق عشرات المباني الوزارية داخل العاصمة الإدارية الجديدة.
وكان الهدف من المشروع تشغيل 65 مبنى حكومياً بالطاقة الشمسية، وتقديم العاصمة الجديدة كنموذج للتكنولوجيا الحديثة والطاقة النظيفة في المنطقة.
إلا أن صور الأقمار الصناعية والبيانات الحرارية التي جرى تداولها أظهرت أن الألواح لا تبدو نشطة بالشكل المتوقع، مع وجود مؤشرات على ارتفاع حرارتها وتراكم الأتربة فوقها، ما أثار تساؤلات حول كفاءتها الحقيقية وما إذا كانت تعمل بالفعل.
تقارير دولية: المشروع متوقف
تصاعدت الأزمة أكثر بعد تداول بيانات صادرة عن منصة “غلوبال إنرجي مونيتور” الدولية المتخصصة في مراقبة مشاريع الطاقة حول العالم، والتي صنّفت المشروع باعتباره “متوقفاً” أو غير نشط، رغم استمرار التصريحات الرسمية التي تؤكد أن منظومة الطاقة الشمسية تعمل بصورة طبيعية.
هذا التناقض فتح الباب أمام موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع استمرار أزمة الكهرباء في مصر وارتفاع دعوات الترشيد داخل المؤسسات الحكومية والمنازل.
إجراءات تقشف داخل المباني الحكومية
المفارقة التي زادت الجدل أن موظفين داخل الحي الحكومي، تحدثوا عن إجراءات تقشف صارمة داخل بعض الوزارات، تشمل تقليل الإضاءة وإطفاء أجهزة وتقنين استهلاك الكهرباء وحتى الحد من استخدام سخانات المياه.
وبحسب شهادات متداولة، فإن بعض المباني الحكومية لا تعتمد فعلياً على منظومة الطاقة الشمسية رغم وجود الألواح فوق أسطحها، فيما تُستخدم الكهرباء التقليدية لتشغيل المكاتب والمرافق.
هذه الروايات أثارت تساؤلات حادة: ما إذا كانت مباني الوزارات نفسها لا تستفيد من الطاقة الشمسية، فكيف يمكن تعميم التجربة على نطاق أوسع داخل الدولة؟
البرلمان يدخل على الخط
وصلت القضية أيضاً إلى البرلمان المصري، وسط اتهامات بإهدار المال العام وسوء إدارة مشروع جرى الترويج له باعتباره نموذج المستقبل.
من جهته اعتبر النائب فريدي البياضي، أن تعطل ألواح الطاقة الشمسية فوق مباني الحي الحكومي “يثير شبهة إهدار المال العام”، مطالباً بتوضيحات رسمية حول أسباب عدم تشغيل المشروع بالشكل المعلن.
ويرى منتقدون أن الأزمة لا تتعلق فقط بتوقف مشروع تقني، بل تمس صورة العاصمة الإدارية الجديدة نفسها، التي قُدمت للمصريين باعتبارها نموذجاً متطوراً يعتمد على التكنولوجيا والطاقة النظيفة والأنظمة الذكية.
أزمة ثقة في مشاريع “العاصمة الذكية”
في السنوات الأخيرة، روجت الحكومة المصرية للعاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها مشروعاً حديثاً يمثل مستقبل الإدارة والاقتصاد في مصر، مع التركيز على مفاهيم التحول الرقمي والطاقة النظيفة والاستدامة البيئية.
لكن الجدل الحالي حول ألواح الطاقة الشمسية أعاد طرح تساؤلات أوسع حول كفاءة إدارة بعض المشاريع الكبرى، ومدى قدرة الدولة على تشغيل وصيانة هذه الأنظمة بالشكل المطلوب.
كما يأتي ذلك في وقت تشهد فيه مصر تحديات اقتصادية وضغوطاً متزايدة تتعلق بالطاقة والكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي حديث عن تعطل مشروع بمئات الملايين أكثر حساسية لدى الرأي العام.
بين الوعود والواقع
وغلى الرغم من الانتقادات المتصاعدة، لا تزال الحكومة المصرية تؤكد استمرار خطط التوسع في الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي ومواجهة أزمات الكهرباء مستقبلاً.
لكن قضية ألواح الحي الحكومي في العاصمة الإدارية كشفت فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي، وأعادت طرح سؤال أساسي: فهل تحولت بعض مشاريع “التحول الأخضر” إلى واجهات دعائية أكثر منها حلولاً حقيقية لأزمة الطاقة؟
اقرا المزيد
هل يتحوّل “وقف الأمير عبد المنان” إلى أخطر صراع عقاري في تاريخ مصر الحديث؟
المرور المصري يحجز “غواصة المنيب”: تهمة القيادة بدون “رخصة مائية” تثير موجة ضحك عالمية
الخبز بـ “السعر الحقيقي”: كيف ستتغير حياة ملايين الأسر المصرية بعد قرارات التموين الأخيرة؟
مونوريل مصر: هل هو قفزة نحو الحداثة أم “مغامرة خرسانية” في قلب الصحراء؟

