وطن-تعيش منطقة الخليج واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود، لكنّ الإمارات تبدو اليوم في موقع مختلف عن بقية العواصم الخليجية. فبينما تحاول دول عديدة إبقاء خطوط التهدئة مفتوحة مع إيران، تتحرك أبوظبي بخطوات متسارعة نحو تحالفات أمنية وعسكرية أعمق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في مشهد يثير أسئلة متزايدة حول مستقبل الدولة الخليجية الصغيرة إذا انفجرت الحرب الكبرى في المنطقة.
منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، لم تعد العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب مجرد تعاون دبلوماسي أو اقتصادي، بل تحولت تدريجياً إلى شراكة أمنية متشابكة تشمل تبادل المعلومات، والتنسيق العسكري، ومنظومات الدفاع الجوي، وصولاً إلى الحديث المتكرر في الإعلام الغربي عن دور إماراتي متقدم داخل الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية لمواجهة إيران.
ويأتي هذا التحول في وقت تتصاعد فيه المؤشرات على اقتراب المنطقة من مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع استمرار المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر والخليج، وتزايد الحديث عن ترتيبات عسكرية جديدة قد تجعل الإمارات في قلب أي صدام إقليمي واسع.
الإمارات من “واحة استقرار” إلى خط مواجهة
لسنوات طويلة، بنت الإمارات صورتها الدولية كعاصمة للاستثمارات والسياحة والتجارة العالمية. دبي تحديداً تحولت إلى مركز مالي ضخم يرتبط استقراره المباشر بثقة المستثمرين وحركة الطيران والتجارة الدولية.
لكنّ التحولات الجيوسياسية الأخيرة وضعت هذه المعادلة أمام اختبار حقيقي. فالدول التي تعتمد على الاقتصاد المفتوح والأسواق العالمية تكون عادة أكثر هشاشة أمام الحروب والصراعات الممتدة، خصوصاً عندما تصبح جزءاً مباشراً من التحالفات العسكرية.
وتشير تقارير غربية إلى أن أبوظبي رفعت خلال الأشهر الماضية مستوى الاستعدادات الأمنية والاقتصادية، مع التركيز على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتأمين المنشآت النفطية، ورفع جاهزية البنية التحتية الحساسة، في ظل مخاوف من توسع أي مواجهة مستقبلية مع إيران.
رهانات محمد بن زايد
يرى مراقبون أن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد يقود منذ سنوات مشروعاً إقليمياً يقوم على توسيع النفوذ الإماراتي خارج حدود الدولة الصغيرة، عبر حضور قوي في اليمن والسودان والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية مع إسرائيل والولايات المتحدة.
لكنّ هذا التوسع يحمل، بحسب منتقدين، مخاطر متزايدة، لأنّه ينقل الإمارات من موقع “الوسيط الاقتصادي” إلى موقع اللاعب الأمني والعسكري المباشر.
وتبرز المخاوف بشكل خاص مع التقارير التي تحدثت عن تعاون دفاعي متقدم بين أبوظبي وتل أبيب، واستخدام منظومات إسرائيلية للحماية الجوية، إضافة إلى تقارير غربية تحدثت عن نقاشات أمريكية مرتبطة بالجزر الإيرانية والممرات البحرية الحساسة في الخليج.
هذه التطورات جعلت الإمارات تظهر بشكل متزايد في الخطاب الإيراني كطرف مباشر في الصراع، وليس مجرد حليف بعيد لواشنطن أو شريك اقتصادي لإسرائيل.
إيران تغيّر خطابها
اللافت أن الإعلام الإيراني بدأ خلال الفترة الأخيرة يوجه رسائل أكثر حدة تجاه الإمارات، مع تصاعد البرامج العسكرية والتقارير التي تتحدث عن دور أبوظبي في التحالفات المناهضة لطهران.
كما انتشرت مقاطع دعائية وتدريبات عسكرية في الإعلام الإيراني تضمنت رسائل مباشرة ضد الإمارات، في مؤشر على أن طهران بدأت تنظر إلى أبوظبي باعتبارها جزءاً من معسكر المواجهة المحتملة.
ويرى محللون أن أخطر ما في هذا التحول هو أن الإمارات أصبحت، بحكم موقعها الاقتصادي والبنية التحتية الحساسة فيها، هدفاً عالي التأثير في أي حرب إقليمية. فتعطيل المطارات أو الموانئ أو حركة الاستثمار قد تكون له نتائج مدمرة على الاقتصاد الإماراتي خلال وقت قصير.
الخليج يتراجع… وأبوظبي تتقدم
في المقابل، تبدو دول خليجية أخرى أكثر حذراً في التعامل مع التصعيد الحالي. فالسعودية وقطر والكويت وعُمان تميل بدرجات مختلفة إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، خشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة يصعب التحكم بنتائجها.
أما الإمارات، فتظهر وفق كثير من التقديرات الغربية والإقليمية كأكثر الأطراف الخليجية اندفاعاً نحو الشراكة الأمنية مع إسرائيل، وهو ما يضعها في موقع مختلف عن بقية العواصم الخليجية.
ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يمنح أبوظبي نفوذاً سياسياً وأمنياً أكبر على المدى القصير، لكنه يرفع في المقابل حجم المخاطر الوجودية إذا تحولت المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.
هل تحمي التحالفات الإمارات؟
السؤال الذي يتردد بقوة داخل المنطقة اليوم هو ما إذا كانت التحالفات الأمريكية والإسرائيلية قادرة فعلاً على حماية الإمارات في حال اندلاع مواجهة كبرى، أم أن هذه التحالفات نفسها قد تجعل الدولة الخليجية هدفاً مباشراً.
فالتاريخ الإقليمي يظهر أن الحروب الكبرى لا تميز بين الدول الصغيرة والكبيرة، وأن المراكز الاقتصادية الثرية تصبح أحياناً أكثر عرضة للخسائر بسبب طبيعة بنيتها الحساسة واعتمادها على الاستقرار الدائم.
ومع استمرار التصعيد الإقليمي، تبدو الإمارات أمام مفترق طرق بالغ الحساسية: إما أن تنجح في تحويل تحالفاتها الجديدة إلى مظلة ردع تحمي مصالحها، أو تجد نفسها في قلب صراع قد يغيّر شكل المنطقة بالكامل ويضع نموذجها الاقتصادي والسياسي أمام أخطر اختبار منذ تأسيس الدولة عام 1971.
اقرأ المزيد
تقرير: الإمارات سعت لرد عسكري خليجي موحد بعد الضربات الإيرانية.. والسعودية وقطر ترفضان التصعيد
الإمارات ترفض التهدئة وتدفع باتجاه “الحسم”: كواليس الضغوط السرية لاستمرار الحرب على طهران
حسابات السيسي وابن زايد.. كيف غيرت الدبلوماسية الاقتصادية الخطاب الإقليمي لشيخ الأزهر؟

