وطن-أشعلت السلطات الألمانية موجة جديدة من الجدل السياسي والحقوقي بعد إصدار كتيب رسمي يتناول ما وصفته برموز وخطابات “معادية للسامية”، في خطوة اعتبرها منتقدون تصعيدًا إضافيًا ضد النشاطات المؤيدة لفلسطين داخل ألمانيا، خصوصًا في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، فإن المكتب الاتحادي لحماية الدستور، وهو جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني، أصدر وثيقة بعنوان “رسائل خفية.. رموز وشفرات معادية للسامية”، تضم عشرات الأمثلة على شعارات وصور ومصطلحات قالت السلطات إنها تُستخدم بطريقة تحمل دلالات عدائية تجاه اليهود.
لم يقتصر الكتيب الذي يتجاوز 80 صفحة على الرموز المرتبطة تاريخيًا بالدعاية النازية، بل توسع ليشمل رموزًا فلسطينية معروفة عالميًا، مثل البطيخ وشخصية “حنظلة”، وهو ما أثار انتقادات حادة من ناشطين ومنظمات حقوقية اعتبرت أن ألمانيا باتت تخلط بين التضامن مع الفلسطينيين ومعاداة السامية.
وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت قبل أيام ملفًا آخر صنّف البطيخ وحنظلة ضمن ما وصفته بـ”رموز التطرف الفلسطيني العلماني”، في إشارة إلى النشاطات المؤيدة لفلسطين داخل ألمانيا.
ويُعرف رمز البطيخ عالميًا باعتباره تعبيرًا بصريًا عن العلم الفلسطيني، خاصة في الفترات التي مُنع فيها رفع العلم، بينما تُعد شخصية “حنظلة”، التي ابتكرها الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، واحدة من أبرز رموز القضية الفلسطينية واللجوء.
واعتمد الكتيب الألماني على تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” لمعاداة السامية، وهو تعريف أثار جدلًا واسعًا في أوروبا بسبب توسيعه نطاق المصطلح ليشمل بعض أشكال انتقاد إسرائيل.
ووفق الكتيب، فإن “دولة إسرائيل قد تكون أيضًا هدفًا لمعاداة السامية”، وهي صياغة يعتبرها منتقدون مدخلًا لربط الانتقادات السياسية لإسرائيل بالكراهية ضد اليهود.
كما أوضح التقرير أن الكتيب موجّه إلى المدارس والمؤسسات التعليمية والموظفين الحكوميين، بهدف مساعدتهم على “التعرف إلى الخطابات المعادية للسامية” داخل المجتمع الألماني.
ويرى المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن معاداة السامية أصبحت “ظاهرة عابرة للتيارات السياسية”، قادرة على جمع أطراف مختلفة، من اليمين المتطرف إلى اليسار الراديكالي وبعض الجماعات الإسلامية، حول “عدو مشترك” يتمثل في اليهود أو إسرائيل.
لكن منتقدي الوثيقة يعتبرون أن السلطات الألمانية تتجاهل السياق المرتبط بالحرب في غزة، وحجم الدمار والضحايا المدنيين الفلسطينيين، مقابل التركيز على تجريم الخطاب المؤيد لفلسطين.
ومن بين الأمثلة المثيرة للجدل التي أوردها الكتيب صورة تُظهر فصلًا دراسيًا غارقًا بالدماء تحت عبارة: “إسرائيل تقتل فصلًا كاملًا كل يوم.. 28 طفلًا”.
وعلى الرغم من أن الصورة استندت إلى تقارير حقوقية وإحصاءات صادرة عن منظمة “أنقذوا الأطفال”، اعتبرتها السلطات الألمانية مثالًا على “قلب صورة الضحية والجاني”، وربطتها بصورة نمطية تاريخية تصوّر اليهود كـ”قتلة أطفال”.
كما تضمّن الكتيب رسمًا كاريكاتيريًا يُظهر جنديًا إسرائيليًا يقطع الكهرباء عن حاضنة أطفال فلسطينيين، وهو رسم استُلهم من حادثة حقيقية وقعت في مجمع ناصر الطبي بخان يونس خلال الحرب، عندما توفي أطفال خدّج بعد انقطاع الكهرباء والأوكسجين.
لكن السلطات الألمانية اعتبرت أن الرسم “يبسط الصراع بصورة أخلاقية حادة” ويُظهر إسرائيل باعتبارها “الشر المطلق”، وهو ما وصفته بأنه يحمل أبعادًا معادية للسامية.
وتقول منظمات حقوقية إن هذه المقاربة الألمانية تعكس توجّهًا متزايدًا نحو تضييق مساحة التعبير المؤيد لفلسطين داخل البلاد، عبر مساواة الانتقاد السياسي لإسرائيل بخطابات الكراهية ضد اليهود.
ويرى مراقبون أن الجدل الحالي يكشف حساسية الموقف الألماني تجاه الحرب في غزة، في ظل الإرث التاريخي المرتبط بالمحرقة النازية، والدعم السياسي القوي الذي تقدمه برلين لإسرائيل، مقابل تصاعد الاحتجاجات الشعبية المتضامنة مع الفلسطينيين داخل ألمانيا وأوروبا عمومًا.
اقرأ أيضاً
لم يعد في إسرائيل ما يمت لليهودية بِصلة.. حاييم بريشيث يتحدث عن غزة وتسييس معاداة السامية
سبت مشحون في لندن.. استنفار أمني “غير مسبوق” مع تزامن مسيرة النكبة 78 وتظاهرة اليمين المتطرف
بسبب “التصويت لفلسطين”.. حزب العمال يخسر قلاعه التاريخية ويواجه اتهامات بتطبيع الإسلاموفوبيا

