وطن-في مشهد أثار جدلاً واسعاً بين السودانيين، ظهر علي رزق الله، القيادي الميداني السابق في قوات الدعم السريع والمعروف باسمه الحركي “سافانا”، وهو يؤدي مناسك الحج في مكة المكرمة، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إعلانه الانشقاق عن القوة شبه العسكرية المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم إبادة في دارفور.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن مقطعاً مصوراً بثته قناة الجزيرة، الثلاثاء، أظهر رزق الله عند الكعبة المشرفة، واضعاً يديه على كسوتها السوداء، بينما كان يدعو للسودان وسط طواف الحجاج حول أقدس بقاع المسلمين.
وظهر “سافانا” في المقطع وهو يقول: “اللهم انصر قواتنا، ووحّد صفوفنا، وأوقف نزيف الدم، وأنهِ الحرب، وارفع هذا البلاء، واجعل بأسك على كل طاغية”، في دعاء حمل رسائل سياسية واضحة وسط الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فقد أثار الفيديو ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي بين السودانيين. فبينما رأى بعض المتابعين أن ظهوره في الحج قد يكون لحظة توبة ومراجعة، اعتبر آخرون أن أداء المناسك لا يمحو مسؤولية الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ولا يسقط حقوق الضحايا.
وكتبت الصحفية صباح أحمد، تعليقاً على ظهور سافانا في مكة، أن حقوق الضحايا لا تزول بأداء الحج ولا بالتعلق بأستار الكعبة، مخاطبة إياه بشكل مباشر: “حقوقنا عندك لم تُغفر”. وقد عكس هذا التعليق جانباً من الغضب الشعبي تجاه قادة الميدان الذين ارتبطت أسماؤهم بالحرب في دارفور وكردفان ومناطق أخرى من السودان.
وكان علي رزق الله قد أعلن انشقاقه عن قوات الدعم السريع في تسجيل مصور بتاريخ 11 مايو، قائلاً: “اليوم أعلن خروجي الكامل من قوات الدعم السريع”. وبعد أربعة أيام فقط، ظهر مجدداً في العاصمة الخرطوم، معلناً عزمه حمل السلاح ضد رفاقه السابقين، إلى جانب الجيش السوداني، في كردفان ودارفور.
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن “سافانا” كان، قبل انشقاقه، يُعد من أبرز القادة الميدانيين المؤثرين داخل قوات الدعم السريع، إذ قاد عمليات ساهمت في سيطرة القوة شبه العسكرية على مناطق استراتيجية في شمال دارفور وغرب كردفان، من بينها مدينة النهود. كما نُسبت إليه أدوار في الإشراف على تجنيد مقاتلين أجانب من تشاد والنيجر.
ويعود المسار العسكري لعلي رزق الله إلى ما قبل الحرب الحالية؛ إذ كان قائداً سابقاً في إحدى الحركات المسلحة، قبل أن يتم دمجه في القوات المسلحة السودانية برتبة عميد، بموجب اتفاق سلام أُبرم عام 2013 مع حكومة الرئيس السابق عمر البشير.
لكن رزق الله فقد تلك الرتبة لاحقاً، بعدما جرّدته محكمة عسكرية منها عام 2021، عقب سقوط نظام البشير. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، التحق بصفوف الدعم السريع، ليصبح لاحقاً أحد قادتها الميدانيين البارزين.
وفي مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم يوم 16 مايو، قال سافانا إن قراره الانضمام إلى قوات الدعم السريع كان “بدافع الضرورة والحماية الشخصية”، مضيفاً أنه لم يكن يملك خياراً آخر في ظل ما وصفه بـ”ممارسات الترهيب والانتقام التي استهدفت الأسر والمواطنين المحليين، ولاحقت كل من رفض القتال” إلى جانب تلك القوات.
وبحسب ما نقلته صحيفة “ميدل إيست آي”، فقد أكد رزق الله أنه وأسرته كانوا “من ضحايا الميليشيا مثل بقية السودانيين”، مشدداً على استعداده للمثول أمام القانون بشأن أي اتهامات قد تُوجَّه إليه. كما زعم أن عدداً كبيراً من القادة الميدانيين والقبليين لا يزالون داخل قوات الدعم السريع تحت الإكراه، بسبب تهديدات تطال أسرهم لإجبارهم على الاستمرار في القتال.
وكشف سافانا، خلال المؤتمر نفسه، عن ما وصفه بعمليات تصفية داخلية نفذتها قوات الدعم السريع بحق عدد من قادتها. وذكر من بين القتلى عبد الله حسين ومستشاراً يدعى حميد علي، مشيراً إلى وقوع عمليات قتل أخرى في ولاية غرب دارفور خلال الأيام الأخيرة.
وقال أيضاً إن شخصيات بارزة داخل قوات الدعم السريع وُضعت قيد الإقامة الجبرية، من بينها رئيس العمليات في القوات عثمان محمد حامد، المعروف باسم “عثمان عمليات”. وتوقع سافانا حدوث “انشقاقات كبيرة” داخل القوة شبه العسكرية خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن قواته مستعدة “للعمل بجدية من أجل تفكيك قوات الدعم السريع”.
وأضاف، وفق ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، أن كميات كبيرة من الأسلحة ما زالت تتدفق إلى قوات الدعم السريع في دارفور، لكنه لم يحدد الجهة التي تقف وراء ذلك. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه المؤشرات والتقارير التي تتحدث عن توريد دولة الإمارات أسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع، إلى جانب مزاعم عن دعمها بمرتزقة كولومبيين وتجهيزات عسكرية.
ويُعد علي رزق الله رابع قائد كبير في قوات الدعم السريع يغير ولاءه منذ أكتوبر 2024، بعد أبو عاقلة كيكل، واللواء النور أحمد آدم المعروف باسم “القبة”، والقائد الميداني بشارة الهويرة. وتعكس هذه الانشقاقات، وفق مراقبين، ضغوطاً متزايدة داخل بنية قوات الدعم السريع مع اتساع رقعة الحرب وتزايد الاتهامات الدولية ضدها.
وتواجه قوات الدعم السريع اتهامات خطيرة بارتكاب إبادة جماعية وعمليات قتل على أساس عرقي وعنف جنسي، خصوصاً بعد سيطرتها على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أكتوبر 2025، عقب حصار استمر أكثر من 500 يوم.
وقالت “ميدل إيست آي” إن مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على أربعة من قادة قوات الدعم السريع بسبب فظائع قال خبراء تابعون للأمم المتحدة إنها تحمل “سمات الإبادة الجماعية”. كما اتهمت الولايات المتحدة قوات الدعم السريع رسمياً بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت منذ يناير 2025 عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”.
وفي لاهاي، تواصل المحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع قادة من قوات الدعم السريع والجيش السوداني بشأن اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال النزاع الأخير. ورغم ارتباط اسم سافانا بالحرب وقيادته عمليات ميدانية مهمة، فإنه لم يخضع حتى الآن لعقوبات شخصية.
وتسببت الحرب المستمرة في السودان في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق توصيف الأمم المتحدة. فقد أسفر القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عن مقتل الآلاف، ونزوح ما يقارب من 13 مليون شخص، ودفع أكثر من 40% من سكان البلاد إلى مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وبين ظهوره عند الكعبة وإعلانه القتال ضد رفاقه السابقين، يبقى اسم علي رزق الله “سافانا” حاضراً في قلب الجدل السوداني، حيث تختلط أسئلة التوبة والمحاسبة بمآسي الحرب، وتظل حقوق الضحايا وملف العدالة الانتقالية عنواناً لا يمكن تجاوزه في أي حديث عن مستقبل السودان.
اقرأ المزيد

