وطن-على الرغم نت تزايد الحديث في السنوات الأخيرة عن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لا يزال هذا الاضطراب العصبي النمائي محاطاً بكثير من سوء الفهم والأحكام المسبقة. فبعض العبارات التي تُقال بحسن نية أو بدافع المزاح قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي للمصابين، لأنها تقلل من حقيقة معاناتهم اليومية وتحول اضطراباً حقيقياً إلى مجرد صفة عابرة أو “كسل” يمكن تجاوزه بسهولة.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، المعروف عربياً بهذا الاسم، يؤثر بشكل مباشر في القدرة على التركيز وتنظيم الوقت والسيطرة على الاندفاعات وترتيب الأولويات. وعلى عكس الصورة النمطية الشائعة، فإن هذا الاضطراب لا يقتصر على الأطفال فقط، بل يستمر مع كثير من الأشخاص حتى مرحلة البلوغ، وأحياناً من دون تشخيص واضح لسنوات طويلة.
وفي الحياة اليومية، قد تبدو المهام البسيطة بالنسبة إلى الآخرين مرهقة جداً للشخص المصاب بهذا الاضطراب، مثل الالتزام بالمواعيد، أو إنهاء المهام، أو تنظيم الأفكار، أو الحفاظ على التركيز لفترة طويلة، أو مقاومة المشتتات المحيطة. ولهذا السبب، فإن بعض التعليقات العفوية قد تُشعر المصاب بأنه غير مفهوم أو بأنه متهم بالتقصير.
«كلنا عندنا شوية تشتت»
أوضحت مجلة “بسيكولوجي” أن هذه العبارة من أكثر الجمل التي يسمعها المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وغالباً ما تُقال بهدف التخفيف أو إظهار التعاطف. لكن أثرها قد يكون عكسياً، لأنها توحي بأن الاضطراب مجرد تشتت عادي يمر به الجميع.
صحيح أن أي شخص قد ينسى موعداً أو يضع مفاتيحه في مكان خاطئ أو يفقد تركيزه أحياناً، لكن الفرق الحقيقي يكمن في شدة الأعراض وتكرارها وتأثيرها المستمر في الدراسة والعمل والعلاقات والحياة اليومية.
ونقلت المجلة عن عالم النفس باسكال أنجيه قوله إن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لا يمكن اختزاله في مواقف يومية بسيطة، لأن الجميع قد يمرون بلحظات تشتت أو نسيان، لكن الاضطراب الحقيقي يظهر عندما تصبح هذه الصعوبات متكررة ومؤثرة بشكل واضح في حياة الشخص.
وبحسب ما أوردته المجلة، أظهرت دراسة أوروبية شملت أكثر من 600 شخص بالغ مصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أن هؤلاء يواجهون صعوبات أكبر من غيرهم في مجالات عديدة، منها تنظيم الوقت، والتحكم في الانفعالات، والعلاقات الاجتماعية، والاستقرار المهني، وحتى إدارة الشؤون المالية.
«فقط ركّز أكثر»
تُعد هذه العبارة من أكثر الجمل إحباطاً للمصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لأنها تفترض أن التركيز قرار شخصي أو مسألة إرادة فقط. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
فهذا الاضطراب يرتبط بطريقة عمل الدماغ نفسه، وتحديداً بالدوائر العصبية المسؤولة عن الانتباه وتنظيم الجهد الذهني. لذلك، فإن الشخص المصاب لا يعاني من “قلة رغبة” أو “ضعف انضباط”، بل من صعوبة حقيقية في الحفاظ على التركيز وتنظيم الانتباه.
وقالت صحيفة “بسيكولوجي” إن مطالبة المصاب بأن “يركز فقط” تشبه مطالبة شخص يعاني ضعف النظر بأن “يرى بشكل أوضح” من دون نظارات. فالعبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل اتهاماً ضمنياً بأن الشخص لا يبذل جهداً كافياً، ما يزيد شعوره بالإحباط والذنب.
«المشكلة بسبب الهاتف والشاشات»
مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح كثيرون يربطون ضعف التركيز بالشاشات فقط. ورغم أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية قد يؤثر فعلاً في الانتباه، فإن اختزال اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في “الإدمان على الهاتف” يبقى تبسيطاً مضللاً.
وكشفت مجلة “بسيكولوجي” أن المحتوى السريع والمحفّز الموجود على الشاشات يجذب بشكل خاص الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب، لأن أدمغتهم تميل بطبيعتها إلى البحث عن التحفيز السريع والتفاعل المستمر.
لكن هذا لا يعني أن الشاشات هي السبب الوحيد أو الأساسي للاضطراب. وأوضح باسكال أنجيه أن الاستخدام المفرط للشاشات قد يزيد الأعراض سوءاً، خاصة لدى الأطفال، لكنه لا يفسر وجود الاضطراب من الأساس.
وأضاف المختص أن الحل لا يكمن في منع الشاشات بالكامل، بل في تنظيم استخدامها ووضع حدود زمنية مناسبة، مع تشجيع الأطفال والبالغين على ممارسة أنشطة أخرى تساعد على التوازن الذهني والجسدي.
الكلمات قد تكون مؤذية أكثر مما نعتقد
في كثير من الأحيان، لا يقصد الأشخاص التقليل من معاناة المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لكن بعض العبارات اليومية قد تجعلهم يشعرون بأن مشكلتهم غير مفهومة أو أنها مجرد “دلع” أو ضعف شخصية.
ولهذا، يؤكد المختصون أن الوعي بطريقة الحديث لا يقل أهمية عن الوعي بالاضطراب نفسه. فالدعم الحقيقي يبدأ بالاستماع، وتجنب الأحكام السريعة، وفهم أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ليس عادة سيئة أو نقصاً في الإرادة، بل حالة عصبية نمائية تؤثر فعلياً في طريقة التفكير والتركيز وإدارة الحياة اليومية.
وفي النهاية، فإن التعامل بتفهم واحترام مع المصابين بهذا الاضطراب قد يخفف كثيراً من الضغوط النفسية التي يعيشونها، ويمنحهم شعوراً بأنهم مفهومون ومدعومون، بدلاً من تحميلهم مسؤولية أعراض لا يختارونها بأنفسهم.
قد يعجبك
هل تقول دائماً “كما تريد”؟.. إليك ما يخبرنا به علم النفس عن شخصيتك!
“دبلوماسية التربية”.. 5 عبارات سحرية لإيقاف تدخل الأجداد دون إحراجهم أمام أطفالك

