وطن-في الوقت الذي تحاول فيه دول الخليج إظهار صورة متماسكة أمام التصعيد الإقليمي المتسارع، كشفت الحرب الأخيرة مع إيران عن تصدعات عميقة داخل العلاقات بين أكبر قوتين خليجيتين: السعودية والإمارات. فخلف بيانات “وحدة الصف” والتنسيق المشترك، تتحدث تقارير وتحليلات سياسية عن خلافات متزايدة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، خصوصاً بشأن كيفية التعامل مع طهران ومستقبل النفوذ في المنطقة.
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية غربية وإقليمية، فإن أبوظبي كانت تتوقع موقفاً خليجياً أكثر تشدداً خلال المواجهة الأخيرة مع إيران، بينما فضّلت الرياض الابتعاد عن الانخراط العسكري المباشر، والتركيز على خفض التصعيد والحفاظ على قنوات التواصل السياسية مفتوحة.
خلافات خرجت من الظل
لم تصنع الحرب الأخيرة الخلاف بين الرياض وأبوظبي، لكنها كشفت حجمه الحقيقي. فالإمارات اتخذت، وفق التقارير، موقفاً أكثر قرباً من المعسكر الداعم للتصعيد ضد إيران، وشاركت في تنسيق أمني وعسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل خلال فترة التوتر.
في المقابل، اختارت السعودية نهجاً أكثر حذراً، رافضة الدخول في مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يهدد استقرار الخليج وأسواق الطاقة العالمية.
وتشير تسريبات سياسية إلى أن هذا التباين أثار استياء إماراتياً واضحاً، خصوصاً مع رفض الرياض الانضمام إلى العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران، في وقت كانت أبوظبي تراهن فيه على موقف خليجي موحد.
وتحدثت تقارير أيضاً عن ضغوط سعودية مورست عبر واشنطن للحد من بعض التحركات الإماراتية خلال الحرب، ما عكس حجم التوتر الذي بات يطفو تدريجياً إلى السطح بين الحليفين التقليديين.
صراع نفوذ يتجاوز إيران
لكن التنافس بين السعودية والإمارات لا يرتبط فقط بالموقف من إيران. فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت خلافات متراكمة بين البلدين في ملفات إقليمية متعددة، من اليمن والسودان إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
في اليمن، دعمت كل دولة قوى محلية مختلفة، ما أدى إلى تضارب واضح في المصالح والحسابات السياسية والعسكرية. أما في السودان، فتتهم أطراف إقليمية الرياض وأبوظبي بدعم مشاريع متعارضة في الصراع الدائر هناك.
ويمتد التنافس أيضاً إلى ملفات الاقتصاد والطاقة والنفوذ التجاري، حيث تسعى كل من الرياض وأبوظبي إلى تكريس نفسها كمركز إقليمي رئيسي للاستثمار والمال والسياسة في الشرق الأوسط.
كما تظهر الفجوة بوضوح في ملف التطبيع مع إسرائيل، إذ تتحرك الإمارات بسرعة أكبر لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع تل أبيب، بينما تواصل السعودية التعامل بحذر أكبر مع هذا الملف الحساس داخلياً وإقليمياً.
الحرب كشفت هشاشة التحالف الخليجي
ويرى مراقبون أن الحرب مع إيران كشفت حقيقة مهمة: التحالف الخليجي لم يعد متماسكاً كما كان يُنظر إليه خلال السنوات الماضية.
ففي حين تنظر الإمارات إلى إيران باعتبارها تهديداً يتطلب مواجهة أكثر حزماً، تبدو السعودية أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع عبر التهدئة والحوار وتجنب المواجهة المباشرة، خاصة بعد التجارب السابقة التي أظهرت كلفة التصعيد على أمن المنطقة واقتصادها.
كما أن الرياض، التي تقود مشروعاً اقتصادياً ضخماً ضمن “رؤية 2030”، تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج قد تهدد الاستثمارات الأجنبية وخطط التحول الاقتصادي التي تراهن عليها المملكة خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، تبدو أبوظبي أكثر استعداداً للعب أدوار أمنية وعسكرية أوسع، مدفوعة بشبكة تحالفات إقليمية ودولية متنامية.
هل بدأ الصراع على قيادة الخليج؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هذه الخلافات مجرد تباينات مؤقتة فرضتها ظروف الحرب، أم أنها تعكس بداية مرحلة جديدة من التنافس الصامت بين الرياض وأبوظبي على قيادة المنطقة.
فالعلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، التي وُصفت لسنوات بأنها تحالف استراتيجي متين، تواجه اليوم اختباراً معقداً بسبب اختلاف الأولويات والرؤى الإقليمية.
ويرى محللون أن السنوات المقبلة قد تشهد مزيداً من التباعد بين البلدين، خصوصاً إذا استمرت التحولات الإقليمية الحالية، وتزايدت الضغوط الأميركية والدولية المتعلقة بإيران وأمن الخليج والتطبيع مع إسرائيل.
وفي النهاية، تبدو الحرب الأخيرة مع إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة. فقد كشفت أن التهديدات المشتركة لا تعني بالضرورة وحدة كاملة في الرؤية، وأن التحالفات الإقليمية قد تبدو قوية في العلن، لكنها تخفي في الداخل حسابات معقدة وصراعات نفوذ تتجاوز الشعارات السياسية التقليدية.
اقرأ المزيد
تبادل “الفيتو الصامت”.. لماذا يربط ترامب هدنة إيران بفرض اتفاقات أبراهام على السعودية والخليج؟
تقرير: الإمارات سعت لرد عسكري خليجي موحد بعد الضربات الإيرانية.. والسعودية وقطر ترفضان التصعيد
خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة في سوق النفط العالمي

