وطن-في لحظة إقليمية مشحونة بالتحركات الدبلوماسية والتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط، برز اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني علي خامنئي، في خطاب سياسي جديد تسعى من خلاله طهران إلى تقديم نفسها كقائد لمحور إقليمي مضاد للولايات المتحدة واتفاقيات إبراهيم، تحت شعار واسع يحمل أبعاداً دينية وسياسية بعنوان “الحضارة الإسلامية الجديدة”.
وبحسب تقرير نشرته شبكة “فوكس نيوز” الأميركية، فإن التحرك الإيراني جاء مباشرة بعد دعوات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتوسيع اتفاقيات إبراهيم، التي أُطلقت عام 2020 ومهدت لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في إطار رؤية أميركية لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتعزيز الشراكات الأمنية في الشرق الأوسط.
وذكرت فوكس نيوز أن ترامب أجرى خلال الأيام الماضية سلسلة اتصالات هاتفية مع قادة السعودية والإمارات وقطر وتركيا وباكستان ومصر والأردن والبحرين، لبحث توسيع اتفاقيات إبراهيم، قبل أن يعيد طرح الفكرة علناً عبر منصة “تروث سوشيال” في 25 مايو، معتبراً أن الاتفاقيات تمثل مساراً مهماً للاستقرار الإقليمي.
لكن الرد الإيراني لم يتأخر طويلاً. ففي اليوم التالي مباشرة، نشر مجتبى خامنئي رسالة عبر منصة “إكس”، دعا فيها “الدول والحكومات الإسلامية” إلى التعاون والعمل المشترك من أجل “تقدم الأمة الإسلامية” وبناء ما وصفه بـ”الحضارة الإسلامية الجديدة”.
رسالة سياسية بغطاء ديني
الرسالة التي تبنتها وسائل إعلام إيرانية رسمية لم تكن مجرد دعوة عامة للوحدة الإسلامية، بل حملت رسائل سياسية واضحة تستهدف إعادة تعريف النظام الإقليمي بعيداً عن النفوذ الأميركي. فقد تحدث مجتبى خامنئي عن “النظام الجديد والبنية المستقبلية للمنطقة والعالم”، مؤكداً أن دول المنطقة تمتلك مصالح مشتركة قادرة على رسم مستقبل مختلف.
كما تضمن الخطاب لهجة تصعيدية تجاه الولايات المتحدة، حيث قال إن “أميركا لن يكون لديها بعد الآن ملاذ آمن لمشاغباتها وإقامة قواعد عسكرية في غرب آسيا”، في إشارة مباشرة إلى القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن الرسالة الإيرانية تمثل محاولة لإعادة طرح إيران كقوة مركزية تقود محوراً إسلامياً مضاداً للمشروع الأميركي في المنطقة، خاصة في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية المتصاعدة.
“الأمة الإسلامية” في مواجهة “اتفاقيات إبراهيم”
ونقلت فوكس نيوز عن الدكتور عمر محمد، مدير مبادرة أبحاث معاداة السامية في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، قوله إن خطاب مجتبى خامنئي يحمل رسالة واضحة مفادها أن “العالم الإسلامي يجب أن يتوحد تحت قيادة إيران” في مواجهة التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة.
وأوضح المحلل أن هذا الخطاب يصطدم بشكل مباشر مع فلسفة اتفاقيات إبراهيم، التي تقوم على توسيع التطبيع مع إسرائيل وتعزيز التحالفات الأمنية والسياسية برعاية أميركية.
وأضاف أن إيران تحاول من خلال هذا الطرح تقديم نفسها باعتبارها زعيمة لـ”الأمة الإسلامية”، بينما تصوّر الوجود العسكري الأميركي على أنه احتلال يجب إنهاؤه، مستخدمة خطاباً دينياً يمنح المشروع الإيراني طابعاً عقائدياً يتجاوز السياسة التقليدية.
صراع على هندسة الشرق الأوسط
ويرى مراقبون أن التزامن بين دعوة ترامب لتوسيع اتفاقيات إبراهيم ورسالة مجتبى خامنئي خلال أقل من 24 ساعة يكشف عن صراع متسارع على إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى دمج مزيد من الدول العربية ضمن محور إقليمي يرتبط أمنياً وسياسياً بإسرائيل، تحاول طهران تقديم مشروع موازٍ يقوم على فكرة “الوحدة الإسلامية” ومواجهة النفوذ الأميركي.
لكن هذا الخطاب الإيراني يواجه تحديات معقدة، خاصة أن عدداً من الدول الخليجية التي يدعوها مجتبى خامنئي إلى “التعاون والأخوة” تعرضت خلال الأشهر الماضية لهجمات إيرانية أو تهديدات مباشرة مرتبطة بالحرب الإقليمية الأخيرة.
فبحسب التقرير، استهدفت الهجمات الإيرانية دولاً تستضيف قواعد عسكرية أميركية رئيسية، من بينها البحرين وقطر والإمارات والكويت، وهو ما يجعل فكرة الانضمام إلى محور تقوده طهران أمراً شديد الحساسية بالنسبة لعواصم الخليج.
الخليج بين الضمانات الأميركية والقلق من إيران
وعلى الرغم من وجود قنوات اتصال مفتوحة بين بعض دول الخليج وطهران، فإن المخاوف الأمنية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في حسابات المنطقة.
وأشار عمر محمد إلى أن دول الخليج لا يمكنها تجاهل حقيقة أنها تعرضت خلال الأشهر الماضية لسلسلة من الهجمات والطائرات المسيّرة والصواريخ، مضيفاً أن الإمارات وحدها أعلنت اعتراض نحو ألفي طائرة مسيرة ومئات الصواريخ الباليستية منذ أواخر فبراير.
وفي المقابل، يثير المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران قلقاً خليجياً متزايداً، خصوصاً إذا انتهى باتفاق يمنح إيران تخفيفاً للعقوبات أو أموالاً مجمدة من دون معالجة ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
وبين مشروع أميركي يقوم على توسيع اتفاقيات إبراهيم، ومحاولة إيرانية لبناء “حضارة إسلامية جديدة” بقيادة طهران، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة والتحالفات، في وقت تراقب فيه العواصم العربية بحذر شديد أي تغير قد يعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد
مسؤول أمريكي سابق: إيران تفرض معادلة ردع جديدة في قلب ممر الطاقة العالمي
سلاح العاطفة.. هل تنجح رموز عاشوراء في إنقاذ شرعية النظام الإيراني وسط أزماته الخانقة؟
روبرت كاغان يحذر: أمريكا تواجه “كش ملك” في حرب إيران.. وهزيمة مضيق هرمز لا يمكن إصلاحها

