وطن-لا تقتصر أهمية النوم الجيد على عدد الساعات التي يقضيها الإنسان في الفراش، بل ترتبط أيضاً بالبيئة المحيطة أثناء النوم، وخاصة مستوى الإضاءة داخل غرفة النوم. فبينما يحتاج الجسم إلى الظلام للحفاظ على توازن ساعته البيولوجية وإفراز الهرمونات المسؤولة عن الراحة، تشير أبحاث حديثة إلى أن التعرض المفرط للضوء الصناعي ليلاً قد يحمل مخاطر صحية تتجاوز اضطرابات النوم التقليدية.
وذكرت مجلة “بسيكولوجي” أن الضوء الطبيعي يؤدي دوراً أساسياً في تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، لكن المشكلة تظهر عندما يتعرض الإنسان خلال ساعات الليل إلى مستويات مرتفعة من الإضاءة الصناعية، سواء من إنارة الشوارع أو الأجهزة الإلكترونية أو مصادر الإضاءة داخل المنزل.
وبحسب المجلة، فقد حذرت دراسة نشرتها جمعية القلب الأمريكية، من أن النوم في بيئة شديدة الإضاءة قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض خطيرة، وفي مقدمتها السكتة الدماغية.
الضوء الليلي وارتفاع خطر السكتة الدماغية
كشفت دراسة أجراها باحثون صينيون عن وجود علاقة لافتة بين التعرض للضوء أثناء الليل وزيادة احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية.
وأوضحت مجلة “بسيكولوجي” أن الباحثين حللوا بيانات أكثر من 28 ألف شخص، ليتبين أن الأفراد الذين ينامون في غرف تتعرض لإضاءة قوية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة تصل إلى 43% مقارنة بمن ينامون في بيئة أكثر ظلاماً.
وتُعد السكتة الدماغية من أخطر أمراض الأوعية الدموية، إذ تحدث نتيجة انقطاع أو ضعف تدفق الدم إلى جزء من الدماغ، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة قد تستمر مدى الحياة.
اضطراب الساعة البيولوجية وراء الخطر
يرى الباحثون أن الضوء الليلي قد يؤثر بشكل مباشر في الإيقاع اليومي للجسم، وهو النظام البيولوجي المسؤول عن تنظيم النوم واليقظة والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى.
فعندما يتعرض الجسم للضوء خلال ساعات الليل، ينخفض إنتاج هرمون الميلاتونين، المعروف بدوره الأساسي في تنظيم النوم والحفاظ على توازن الساعة البيولوجية.
ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على النوم فقط، بل قد يؤدي أيضاً إلى:
- ارتفاع ضغط الدم.
- زيادة مستويات الدهون الثلاثية.
- اضطراب مستويات السكر في الدم.
- زيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
وتمثل هذه العوامل مجتمعة عوامل خطر رئيسية للإصابة بالسكتات الدماغية والمشكلات القلبية.
التلوث الضوئي.. تحدٍ متزايد في المدن الحديثة
في المدن الكبرى، أصبح الظلام الكامل أمراً نادراً بسبب الانتشار الواسع للإنارة العامة واللوحات الإعلانية وأضواء السيارات والمباني التجارية.
وأشارت مجلة «سيكولوجيز» إلى أن التلوث الضوئي أصبح من المشكلات البيئية المتنامية التي تؤثر في جودة النوم وصحة الإنسان، خاصة لدى سكان المناطق الحضرية.
وعلى الرغم من صعوبة التخلص من مصادر الضوء الخارجية بالكامل، فإن هناك إجراءات بسيطة يمكن أن تقلل من تأثيرها بشكل كبير.
كيف تحمي نفسك من آثار الضوء الليلي؟
يوصي الخبراء بعدد من الخطوات العملية للمساعدة على النوم في بيئة أكثر صحة، من أبرزها:
- استخدام ستائر معتمة لمنع تسرب الضوء الخارجي.
- إطفاء مصادر الإضاءة غير الضرورية داخل الغرفة.
- ارتداء قناع النوم عند الحاجة.
- تقليل استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية قبل النوم.
- تجنب التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات خلال الساعات الأخيرة من المساء.
وتساعد هذه الإجراءات على تعزيز إنتاج الميلاتونين وتحسين جودة النوم العميق.
عادات مهمة لتحسين جودة النوم
إلى جانب التحكم في الإضاءة، تنصح المجلة باتباع مجموعة من العادات الصحية التي تدعم النوم المريح، ومنها:
الحفاظ على درجة حرارة مناسبة
يفضل أن تتراوح درجة حرارة غرفة النوم بين 16 و18 درجة مئوية، إذ إن الحرارة المرتفعة أو البرودة الشديدة قد تؤثر سلباً في جودة النوم.
تجنب المنبهات ليلاً
ينصح بالابتعاد عن المشروبات المحتوية على الكافيين في الساعات التي تسبق النوم، لأنها قد تؤخر الشعور بالنعاس وتزيد من صعوبة الاستغراق في النوم.
الابتعاد عن الوجبات الثقيلة
تناول وجبات دسمة قبل النوم مباشرة قد يرهق الجهاز الهضمي ويؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر خلال الليل.
تخصيص غرفة النوم للراحة
يشدد الخبراء على أهمية استخدام غرفة النوم للنوم والاسترخاء فقط، وتجنب تحويل السرير إلى مكان للعمل أو تصفح الهاتف أو مشاهدة المحتوى لفترات طويلة.
الظلام عنصر أساسي لصحة أفضل
تؤكد النتائج الحديثة أن الظلام ليس مجرد عامل يساعد على الراحة النفسية، بل عنصر أساسي للحفاظ على صحة الدماغ والقلب وتنظيم الوظائف الحيوية للجسم.
فكلما كانت بيئة النوم أكثر هدوءاً وظلاماً، زادت قدرة الجسم على استعادة توازنه الطبيعي وتحسين جودة النوم، وهو ما قد يسهم على المدى الطويل في تقليل مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية وأمراض القلب المرتبطة باضطراب الساعة البيولوجية.
اقرأ أيضاً
دراسة ستانفورد تكشف مفاجأة: الإنسان لا يشيخ تدريجياً.. بل يمر بقفزتين حاسمتين عند 44 و60 عاماً
صرخة الأعصاب الصامتة: كيف تدمر الهواتف الكبيرة عصب يدك دون أن تشعر؟
من شوبنهاور إلى العلم الحديث: لماذا لا يحتمل المبدعون أصوات الآخرين؟

