وطن-في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة وإيران لتوقيع مذكرة تفاهم جديدة في سويسرا تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز ومعالجة عدد من الملفات العالقة، يتصدر الاتفاق المرتقب المشهد السياسي والإعلامي في طهران، حيث تسوّقه وسائل الإعلام الرسمية باعتباره انتصاراً سياسياً للجمهورية الإسلامية في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وبينما ترى واشنطن أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة لخفض التوتر وضمان أمن الملاحة الدولية ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تحرص طهران على تقديمه لجمهورها الداخلي باعتباره دليلاً على نجاحها في فرض شروطها وإجبار الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة التفاهم.
طهران تروّج للاتفاق بوصفه انتصاراً
بحسب تقارير إعلامية أمريكية، تبث وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية رسائل تؤكد أن الولايات المتحدة اضطرت إلى توقيع اتفاق لإنهاء المواجهة الأخيرة، في محاولة لتعزيز صورة النظام داخلياً وإظهار الاتفاق كإنجاز استراتيجي لا كتسوية سياسية.
وتأتي هذه الحملة الإعلامية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً دولية متواصلة بسبب برنامجها النووي ودورها الإقليمي، فيما تسعى القيادة الإيرانية إلى توظيف الاتفاق لتعزيز خطاب الصمود والمواجهة أمام الرأي العام المحلي.
كما ظهرت في العاصمة طهران لوحات دعائية تؤكد استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، في رسالة تستهدف إبراز النفوذ الإيراني في المنطقة.
مذكرة تفاهم تعيد فتح مضيق هرمز
ويمثل الاتفاق المرتقب اختراقاً دبلوماسياً بعد أشهر من التوتر العسكري والسياسي الذي انعكس على أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة البحرية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن اكتمال التفاهم مع إيران، مؤكداً أن الاتفاق يشمل إعادة فتح مضيق هرمز ورفع القيود البحرية المرتبطة بالأزمة الأخيرة، بما يسمح بعودة تدفق النفط وحركة التجارة الدولية عبر الممر الاستراتيجي.
ويرى مراقبون أن إعادة فتح المضيق تشكل أحد أهم البنود الاقتصادية في الاتفاق، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه في تأمين إمدادات الطاقة العالمية.
ملفات عالقة.. والعقوبات في صدارة التحديات
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن الاتفاق، لا تزال العديد من التفاصيل الجوهرية غير محسومة، وعلى رأسها مستقبل العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وآليات الرقابة على برنامجها النووي.
وتشير التقديرات إلى أن المفاوضات المقبلة ستتناول الجداول الزمنية المتعلقة بتخفيف العقوبات، إضافة إلى الإجراءات الخاصة بتقييد أنشطة تخصيب اليورانيوم التي تثير قلق الولايات المتحدة والدول الغربية.
ويعتبر ملف العقوبات من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لطهران، التي ترى أن أي اتفاق ناجح يجب أن ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني ويخفف الضغوط المعيشية المفروضة على المواطنين.
طهران: الاتفاق لا يعني الثقة بواشنطن
وفي محاولة للحفاظ على خطابها التقليدي تجاه الولايات المتحدة، شدد مسؤولون إيرانيون على أن التفاهم الجديد لا يعكس أي تحول في مستوى الثقة بين الطرفين.
وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن الاتفاق بني على أساس «عدم الثقة الفاعلة»، مشيراً إلى أن طهران ستراقب بدقة تنفيذ الالتزامات الأمريكية.
كما أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن قوة إيران لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية، بل أيضاً إلى التماسك الداخلي والقدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية.
واشنطن: الاتفاق يمنع امتلاك إيران للسلاح النووي
في المقابل، تقدم الإدارة الأمريكية الاتفاق باعتباره إنجازاً استراتيجياً يحقق ثلاثة أهداف رئيسية، تشمل إعادة فتح مضيق هرمز، وتهدئة أسواق الطاقة العالمية، وضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً.
وأكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن الاتفاق يمثل محطة مهمة في السياسة الخارجية الأمريكية، مشدداً على أن واشنطن ستواصل مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية لضمان الالتزام بالتفاهمات الجديدة.
خبراء يحذرون من التفاؤل المفرط
ورغم الترحيب الدولي الحذر بالاتفاق، يرى عدد من الخبراء أن التعامل معه باعتباره تحولاً جذرياً في سلوك النظام الإيراني قد يكون أمراً سابقاً لأوانه.
ويشير محللون إلى أن طهران اعتادت في السابق استخدام الاتفاقات الدولية كوسيلة لشراء الوقت وإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، ما يجعل اختبار التنفيذ الفعلي للالتزامات العامل الأهم في تقييم نجاح التفاهم الجديد.
كما يحذر مراقبون من أن الخلافات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين لا تزال قائمة، ما يعني أن الاتفاق الحالي قد لا يكون نهاية للأزمة بقدر ما يمثل مرحلة جديدة من إدارتها.
المعارضة الإيرانية: التغيير لا تصنعه الاتفاقات
على الجانب الآخر، أكدت شخصيات معارضة بارزة أن مستقبل إيران يجب أن يحدده الإيرانيون أنفسهم، وليس الاتفاقات الدولية.
واعتبرت أطراف في المعارضة أن أي تفاهم مع الولايات المتحدة لن يكون بديلاً عن المطالب المتعلقة بالإصلاح السياسي والحريات العامة داخل البلاد.
كما رحبت بعض القوى المعارضة بأي خطوة من شأنها إنهاء الحرب وتخفيف معاناة المواطنين، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة معالجة ملفات حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات الداخلية.
اختبار التنفيذ
ورغم أن الاتفاق المرتقب قد يساهم في تهدئة التوترات الإقليمية وإعادة الاستقرار إلى أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، فإن نجاحه سيظل مرتبطاً بمدى التزام الطرفين ببنوده وقدرتهما على تجاوز عقود من انعدام الثقة والصراع السياسي.
وبين الرواية الإيرانية التي تصفه بالانتصار، والرؤية الأمريكية التي تقدمه كوسيلة لضبط البرنامج النووي الإيراني وتأمين الملاحة الدولية، يبقى التنفيذ العملي هو المعيار الحقيقي للحكم على مستقبل هذا الاتفاق وما إذا كان سيمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار أم سيبقى مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل.
اقرأ أيضاً
بين الارتياح والشكوك.. الإيرانيون يستقبلون اتفاق إنهاء الحرب مع أمريكا وإسرائيل بمشاعر متباينة
اتفاق أميركي إيراني مرتقب في سويسرا لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز..
ترامب يعلن موعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب على إيران.. وطهران تتحفظ على التوقيت

