وطن-مع إعلان استقالته من رئاسة الوزراء البريطانية بعد أقل من عامين على وصوله إلى السلطة، يجد رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر نفسه أمام إرث سياسي مثقل بالجدل، خاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي اعتبرها منتقدوه أحد أبرز أسباب تراجع شعبيته وانحسار الدعم لحزب العمال.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، فإن ملف غزة تحول إلى نقطة خلاف جوهرية بين ستارمر وقطاع واسع من الناخبين اليساريين وأنصار القضية الفلسطينية داخل بريطانيا، حيث أظهرت استطلاعات ودراسات حديثة أن الحرب في غزة كانت عاملاً مؤثراً في عزوف أعداد كبيرة من ناخبي حزب العمال عن دعمه.
دعم مبكر لإسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر
في الأشهر الأولى للحرب، تبنى ستارمر موقفاً قريباً من الحكومة المحافظة آنذاك، مؤكداً حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وأثار جدلاً واسعاً عندما بدا وكأنه يدافع عن الإجراءات الإسرائيلية التي شملت قطع الكهرباء والمياه عن قطاع غزة، قبل أن يتراجع لاحقاً عن بعض تصريحاته تحت ضغط الانتقادات السياسية والحقوقية.
كما رفض في تلك المرحلة دعم مطالبات بوقف فوري لإطلاق النار، ووجه نواب حزب العمال بعدم تأييد مشاريع قرارات برلمانية تدعو إلى إنهاء ما وصفه منتقدو إسرائيل بـ”العقاب الجماعي” للفلسطينيين.
تعاون عسكري واستخباراتي مستمر
بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة، استمرت بريطانيا في تقديم أشكال مختلفة من التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن سلاح الجو البريطاني نفذ مئات طلعات الاستطلاع فوق قطاع غزة خلال فترة الحرب، مؤكداً أن الحكومة البريطانية بررت هذه الرحلات بأنها تهدف إلى جمع معلومات مرتبطة بالرهائن المحتجزين.
غير أن هذا التعاون أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وسياسيين معارضين، خاصة مع استمرار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين في القطاع.
قيود جزئية على صادرات السلاح
وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة، اتخذت حكومة ستارمر بعض الخطوات التي أثارت غضب إسرائيل، من بينها تعليق عدد من تراخيص تصدير الأسلحة البريطانية التي يمكن استخدامها في العمليات العسكرية داخل غزة.
لكن الحكومة أبقت على استثناءات مهمة تتعلق بمكونات برنامج المقاتلة الشبحية “إف-35″، وهو ما دفع منتقدين إلى اعتبار الإجراءات البريطانية غير كافية ولا ترقى إلى مستوى وقف الدعم العسكري الحقيقي.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية
شهدت فترة حكم ستارمر تحولاً مهماً عندما أعلنت بريطانيا اعترافها بالدولة الفلسطينية عام 2025، في خطوة أثارت أزمة دبلوماسية مع إسرائيل.
وعلى الرغم من ذلك، رأى معارضوه أن الاعتراف جاء متأخراً ولم يترافق مع إجراءات عملية لوقف الحرب أو فرض عقوبات فعالة على الحكومة الإسرائيلية.
اتهامات بتجاهل أدلة على جرائم حرب
ومن أكثر الملفات حساسية، الاتهامات التي وجهها وزير الصحة البريطاني السابق ويس ستريتينغ لستارمر، متهماً إياه بعدم التعامل بجدية مع تقارير وأدلة قدمها أطباء بريطانيون عملوا في غزة وتضمنت مزاعم بوقوع انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.
وتحولت هذه القضية إلى مصدر جديد للضغط السياسي على الحكومة البريطانية السابقة، خاصة مع تزايد المطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة حول الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.
إجراءات داخلية أثارت انتقادات
على الصعيد الداخلي، واجهت حكومة ستارمر اتهامات بتقييد النشاط المؤيد لفلسطين، بعدما اتخذت إجراءات قانونية ضد بعض الحركات الاحتجاجية المناهضة للحرب، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول حرية التعبير والاحتجاج في بريطانيا.
إرث مثير للانقسام
يرى مراقبون أن موقف ستارمر من الحرب في غزة وضعه في موقع صعب بين مختلف الأطراف؛ إذ تعرض لانتقادات من مؤيدي إسرائيل الذين اعتبروا بعض قراراته متشددة، ومن المدافعين عن حقوق الفلسطينيين الذين رأوا أنه لم يذهب بعيداً بما يكفي لوقف الدعم البريطاني لإسرائيل.
ومع خروجه من المشهد السياسي التنفيذي، يبقى ملف غزة أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في مسيرة ستارمر السياسية، وقد يكون عاملاً رئيسياً في تقييم إرثه داخل حزب العمال وخارجه.
اقرأ المزيد
هل يقترب سقوط كير ستارمر؟ ضغوط داخلية وتصريحات ترامب تشعل السياسة البريطانية
نهاية حقبة ستارمر؟ سباق محتدم داخل حزب العمال لاختيار رئيس الحكومة الجديد..
“عاشت نكبتين وما زالت تقاوم”: فاطمة عبيد.. تسعون عاماً من الذاكرة وفستان زفاف دفنته الحرب في غزة..

