وطن-في خطوة تعكس تحركاً أمريكياً متقدماً على خط الأزمة الليبية، استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن صدام حفتر، الرجل الثاني في قوات شرق ليبيا ونجل قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، ضمن مساعٍ دبلوماسية جديدة تهدف إلى إنهاء الانقسام السياسي والعسكري الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
وقالت وكالة “أوروبا برس” إن زيارة صدام حفتر إلى العاصمة الأمريكية هذا الأسبوع تمثل أقوى دفعة دبلوماسية من جانب الولايات المتحدة باتجاه إعادة توحيد ليبيا، الدولة الواقعة في شمال إفريقيا والمنقسمة فعلياً منذ عام 2014، عقب اندلاع أولى الحربين الأهليتين اللتين أعقبتا سقوط نظام معمر القذافي.
وبحسب ما أوردته الوكالة، فقد التقى حفتر الابن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الاثنين، حيث أشاد الأخير بما وصفه بـ”جهود” قادة طرفي الأزمة الليبية من أجل تجاوز الانقسامات والمضي نحو الوحدة، في إشارة إلى محاولات التقريب بين السلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها.
وخلال اللقاء، ناقش الجانبان مسارات محتملة للتعاون من أجل دعم السلام والوحدة في ليبيا، مع التركيز على ملف توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهي الملفات الأكثر تعقيداً في المشهد الليبي منذ سنوات. ونقلت “أوروبا برس” عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قوله إن واشنطن ستواصل قيادة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى دعم وحدة ليبيا وتهيئة الظروف اللازمة لقيام حكومة منتخبة ديمقراطياً قادرة على قيادة البلاد نحو مرحلة أكثر استقراراً.
وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من اجتماع نائب وزير الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، مع مسؤولين أمريكيين كبار في واشنطن، بينهم المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى إفريقيا والعالم العربي مسعد بولس، في مؤشر على أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى التواصل المتوازي مع طرفي الانقسام الليبي، وليس مع طرف واحد فقط.
وأضافت وكالة “أوروبا برس” أن لقاء صدام حفتر وماركو روبيو يتزامن مع استعداد وزير الخارجية الأمريكي للاجتماع أيضاً مع ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية، ومقرها طرابلس، في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جهودها لصياغة إطار سياسي جديد ينهي سنوات من التشظي المؤسسي، ويفتح الباب أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية.
وتعيش ليبيا منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، إثر انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي، حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني. وقد تعمقت الأزمة مع اندلاع حربين أهليتين، قبل أن يتم التوصل في أكتوبر 2020 إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة بين حكومة الوحدة الوطنية والجيش الوطني الليبي.
وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال ليبيا منقسمة بين إدارتين متوازيتين؛ الأولى يقودها عبد الحميد الدبيبة من العاصمة طرابلس وتسيطر على غرب البلاد، والثانية عُينت من جانب مجلس النواب المنتخب عام 2014، وتتخذ من بنغازي مقراً لها، وتبسط نفوذها على شرق ليبيا وأجزاء واسعة من الجنوب.
وبحسب ما أوردته “أوروبا برس”، فإن المبادرة الأمريكية المطروحة حالياً تستهدف دمج الإدارتين المتنافستين، وتوحيد الجيش الليبي تحت قيادة واحدة، إضافة إلى تثبيت جدول انتخابي نهائي يقود إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في 17 فبراير 2027، وهو موعد تسعى واشنطن إلى تحويله إلى محطة فاصلة لإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة.
ويقود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى جانب مسعد بولس، هذه الاتصالات المكثفة. وكان بولس قد جمع في العاصمة الإيطالية روما، في سبتمبر 2025، صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية، في لقاء عكس بداية مقاربة أمريكية أكثر مباشرة تجاه الملف الليبي.
وتربط واشنطن بين استقرار ليبيا وأهمية موقعها في سوق الطاقة، إذ تمتلك البلاد عاشر أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، كما ترى الإدارة الأمريكية أن توحيد المؤسسات الليبية قد يسهم في تقليص نفوذ روسيا المتنامي في المنطقة، خصوصاً في شرق ليبيا وجنوبها.
وكشفت وكالة “أوروبا برس” أن حكومة الوحدة الوطنية وقوات شرق ليبيا أبدتا استعداداً للدخول في مفاوضات حول المبادرة الأمريكية، معتبرتين أنها مبادرة “فريدة” تختلف عن الطروحات السابقة، لأنها تستند إلى “الواقعية” ولا تتجاهل تعقيدات الوضع السياسي والعسكري القائم في البلاد.
وكان الطرفان قد نشرا قبل أكثر من أسبوع “خريطة طريق” تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية وتوحيد المؤسسات الوطنية، مع تحديد موعد مشترك للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 17 فبراير 2027. وجاءت هذه الخطوة بعد أكثر من أربع سنوات عجزت خلالها السلطات الليبية المتنافسة عن إجراء انتخابات وطنية بسبب الخلافات حول القوانين الانتخابية، وشرعية المرشحين، والقواعد الدستورية المنظمة للعملية السياسية.
ونقلت “أوروبا برس” عن مصادر دبلوماسية أن الإدارة الأمريكية تعتزم جمع وفود رسمية من طرفي الأزمة الليبية في واشنطن خلال الشهر الجاري، بهدف تثبيت اتفاق توحيد المؤسسات ووضعه على مسار عملي. وفي حال نجاح هذه الجهود، قد تدخل ليبيا مرحلة سياسية جديدة تنهي سنوات الانقسام، لكنها ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف المحلية والدولية على تحويل التفاهمات إلى خطوات قابلة للتنفيذ على الأرض.
اقرأ أيضاً
بعد شهر من الاعتقال والإضراب.. “ميدل إيست آي” تكشف تفاصيل الإفراح عن أسطول غزة من ليبيا
ليبيا على طاولة ترامب.. خطة أمريكية لتقاسم السلطة أم صراع جديد على النفط والنفوذ؟
رجل حفتر الغامض.. كيف بنى أحمد قدّالة إمبراطورية المال والسلاح بين دبي وشرق ليبيا؟

