وطن-في تطور جديد للأزمة بين السلطات الروسية وتطبيق المراسلة “تلغرام”، فتحت هيئة الأمن الفدرالية الروسية (FSB) قضية جنائية بحق مؤسس المنصة، بافيل دوروف، بتهمة “التعاون مع الإرهاب”، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الحكومية على شركات التكنولوجيا غير الخاضعة لرقابتها المباشرة.
حملة تضييق متصاعدة على تطبيقات المراسلة
تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أشمل يتبناها الكرملين تهدف إلى تقليص اعتماد المواطنين الروس على المنصات الأجنبية، ودفعهم لاستخدام تطبيق محلي جديد يسمى “ماكس”، يتم تشغيله بدعم من أجهزة الاستخبارات. وتشير تقارير رسمية إلى أن السلطات الروسية حجبت بالكامل تطبيق “واتساب” في الشهور الماضية، وفرضت قيودًا جزئية على “تلغرام”، مطالبةً إياه بالامتثال الكامل لتعليمات جهاز الأمن الفدرالي.
وقال نائب رئيس لجنة سياسة المعلومات في مجلس الدوما، أندري سفيتسوف، إن أمام الشركة “ستة أسابيع فقط لتسوية أوضاعها القانونية داخل روسيا”، ملمحًا إلى احتمال الحظر الكامل للتطبيق مع بداية أبريل المقبل.
اتهامات موسعة ضد المنصة
وفقًا لوسائل إعلام روسية مقربة من الحكومة، تتهم السلطات “تلغرام” بعدم حجب أكثر من 154 ألف قناة ومجموعة يُعتقد أنها استخدمت في أعمال مخالفة للقانون، بينها نشاطات معارضة سياسية، وتنسيق أعمال تخريبية، إضافة إلى قضايا تتعلق بالإباحية للأطفال وتجارة المخدرات. كما ورد في ملفات التحقيق أن الهجوم الإرهابي الذي شهدته قاعة “كروكوس” في موسكو في مارس/آذار 2024 تم التخطيط له باستخدام قنوات داخل التطبيق.
ورغم إعلان السلطات الروسية أن منفذي الهجوم ينتمون إلى تنظيم “داعش – ولاية خراسان” ومن أصول من آسيا الوسطى، إلا أن الرئيس فلاديمير بوتين لمّح إلى مسؤولية أوكرانيا عن الاعتداء الذي أسفر عن مقتل 150 شخصًا.
خلفية توتر ممتدة
يقيم بافيل دوروف في الإمارات العربية المتحدة منذ انتقاله إليها قبل نحو عقد من الزمن، بعد رفضه مطالب روسية بتسليم بيانات مستخدمي “تلغرام” لجهاز الأمن الفدرالي. ورغم رفع الحظر عن التطبيق عام 2020 إثر اتفاق على التعاون “في القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب”، فإن تشديد القبضة الأمنية في روسيا خلال السنوات الأخيرة أعاد التوتر إلى الواجهة.
وتشير وثائق نشرتها صحيفة “روسيسكايا غازيتا” إلى أن أجهزة الأمن الروسية أحصت نحو 33 ألف قضية تتعلق بـ”التخريب والإرهاب والتطرف” على صلة بمنصة “تلغرام” منذ بدء الحرب في أوكرانيا قبل أربع سنوات. كما ذكرت صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” أن أكثر من 104 آلاف واقعة مرتبطة بالمحتوى المنشور في المنصة صُنّفت على أنها نشر لمعلومات “كاذبة”، فيما ارتبطت قرابة 4 آلاف قضية بتبرير “أنشطة متطرفة”.
وفي السياق نفسه، أفادت التقارير بأن “تلغرام” رفض الاستجابة لمطالب حذف 1,369 قناة يُزعم أنها تروّج لمحتوى إباحي للأطفال، و3,771 قناة مرتبطة بتجارة المخدرات، فضلًا عن أكثر من 2,600 قناة تتناول محتوى يشجع على الانتحار.
تداعيات دولية على مؤسس التطبيق
القضية الروسية ليست الأزمة القانونية الوحيدة التي يواجهها دوروف. ففي فرنسا يخضع لتحقيقات بشأن نشر محتوى غير قانوني على منصته، وقد سمحت له السلطات بمغادرة البلاد لفترات مؤقتة لا تتجاوز أسبوعين في كل مرة. وفي الوقت ذاته، تدرس دول أوروبية، منها إسبانيا وأوكرانيا، فرض قيود إضافية على استخدام التطبيق.
تأثير ميداني وتقني
أدى التضييق المفروض على التطبيق إلى اضطرابات لدى القوات الروسية في جبهات القتال، إذ يعتمد الجانبان المتحاربان على “تلغرام” لإدارة اتصالاتهم المشفّرة. وأفاد مدوّنون عسكريون بأن قيادة الجيش طلبت من الجنود تجنّب استخدام تطبيق “ماكس” الذي تطوره الحكومة بديلًا عن “تلغرام”، بذريعة أنه غير آمن، فيما علّق أحد أبرز قنوات “تلغرام” الموالية لسلاح الجو الروسي، المعروفة باسم “فايتربومبر”، ساخرًا بأن “القوات تلقت أوامر بعدم تثبيت أكثر تطبيقات المراسلة الوطنية أمانًا على الأجهزة الحديثة”.
مخاوف من توسّع صلاحيات أمنية
وفي موازاة الحملة على المنصات الرقمية، تقدّمت كبرى الشركات الروسية، وبينها “سبيربنك” و”ياندكس”، بطلب رسمي للحصول على حق الوصول إلى قواعد بيانات أجهزة الأمن بهدف تطوير أنظمة “مكافحة الاحتيال”. ورغم ما يثيره ذلك من مخاوف تتعلق بخصوصية المستخدمين وتسريب المعلومات، أقرّ سيرغي بويارسكي، رئيس لجنة مجلس الدوما لتقنيات المعلومات، بأن المقترح “يستحق دراسة متعمقة”.
ختام توعوي
تسلّط التطورات الأخيرة الضوء على معضلة معقدة تتقاطع فيها ضرورات الأمن القومي مع حرية الاتصالات الرقمية وخصوصية المستخدمين. وبينما تتزايد الرقابة الرقمية في روسيا، يجد الملايين أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الأمان المزعوم والانفتاح على العالم، مما يجعل مستقبل شبكات التواصل في البلاد مرهونًا بمدى قدرة السلطات والمستخدمين على إيجاد توازن يحمي الحق في التواصل دون أن يتحوّل إلى أداة للسيطرة.
قد يعجبك
اغتيال جنرال روسي في موسكو.. تصاعد حرب الظل بين روسيا وأوكرانيا يهزّ قلب العاصمة












