وطن-في خضم التطورات المتسارعة بالمنطقة، باتت جماعة الحوثي في اليمن أمام مرحلة حساسة تتطلب إعادة حساب الموقف من التطورات الإيرانية الأخيرة، خصوصًا بعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، وتوالي الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد طهران. وبينما يترقب العالم طبيعة الرد الإيراني، تشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين يراقبون المشهد بدقة قبل اتخاذ أي خطوة قد تغير موازين القوى في المنطقة.
ارتباط استراتيجي معقد
يرى محللون أن تحركات الحوثيين لا يمكن فهمها بمعزل عن شبكة التحالفات التي تصف نفسها بـ«محور المقاومة»، والتي تضم قوى مرتبطة بإيران، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، وعدد من الفصائل المسلحة في العراق. وقد كانت سوريا قبل عام 2024 جزءًا من هذا المحور قبل الإطاحة بالرئيس بشار الأسد.
ويعتبر الحوثيون أنهم أحد أركان هذا المحور، وهو ما يفسر الدعم الذي تلقوه عبر السنوات الأخيرة، من طائرات مسيرة وصواريخ باليستية وخبرات عسكرية يُعتقد أن مصدرها الأساسي إيران.
ويقول فتحي بن لزريق، رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، إن الجماعة “تضع مستقبلها الاستراتيجي اليوم في موازنة دقيقة؛ فهي تدرك أن سقوط النظام الإيراني يعني فقدانها أحد أهم مصادر القوة العسكرية والتقنية التي ساعدتها على ترسيخ سيطرتها في الداخل اليمني”. ويضيف أن أي تهديد وجودي لطهران سيكون بالنسبة للحوثيين مبررًا كافيًا لخوض مواجهة أوسع دفاعًا عن حليفهم الرئيسي.
حذر غير معتاد في الخطاب
في الأيام التي أعقبت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، بدا زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، أكثر حذرًا في خطابه من المعتاد. فبعد أن عبّر عن تضامنه مع إيران، تجنّب هذا المرة التعهد الواضح بالانخراط العسكري المباشر.
لاحقًا، وبعد إعلان طهران عن اغتيال خامنئي، ألقى الحوثي كلمة مقتضبة اكتفى فيها بتقديم التعازي دون أن يصدر موقفًا عمليًا. ولعل هذا الانضباط الخطابي يعكس إدراك الحركة لحساسية اللحظة السياسية وتداعيات أي قرار متسرع.
تردد وتباين داخلي
تزامن الغموض في الموقف مع أنباء متضاربة عن نية الحوثيين استئناف هجماتهم على السفن المارة في البحر الأحمر، عقب بدء العمليات ضد إيران. ونقلت وسائل إعلام تصريحات منسوبة لمصادر حوثية تؤكد نية التحرك، قبل أن تسارع أطراف أخرى داخل الجماعة إلى نفيها رسميًا عبر منصات التواصل.
يرى المحلل السياسي اليمني صالح البيضاني، أن “هذه التناقضات تعبّر عن انقسامات عميقة داخل الحركة”. فوفق تقديره، هناك جناح متشدد يدفع نحو تدخل عسكري فوري تأكيدًا للانتماء لمحور المقاومة، مقابل جناح آخر يفضّل التريث لتجنّب تداعيات قد تطال الداخل اليمني. وأشار إلى أن تلك الانقسامات “تعكس ارتباكًا واضحًا في التعامل مع التطورات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة”.
حسابات داخلية وضغوط خارجية
على الرغم من ضغوط التيار المتشدد، يرجّح مراقبون أن الجماعة تتحرك بحذر لتفادي عواقب أي تصعيد. الباحث اليمني في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، فارع المسلمي، أوضح أن “القيادة الحوثية تدرك أن الدخول في الحرب بصورة مكشوفة لصالح إيران سيُضعف خطابها المحلي القائم على مقاومة العدوان لحماية اليمن، لا لخدمة طرف خارجي”.
ويصف المسلمي النهج الحوثي الحالي بأنه “تصعيد محسوب”، أي أن أي تقدم عسكري محتمل سيتم تبريره بأنه دفاع عن النفس وليس تضامنًا مع إيران. وأضاف أن الجماعة ما زالت تتعافى من آثار الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت حيوية في مناطق سيطرتها العام الماضي، وأضعفت جزءًا من قدراتها العسكرية.
احتمالات مفتوحة
على الرغم من مؤشرات الحذر، لا يستبعد مراقبون أن تغيّر الجماعة موقفها في حال تعرضت هي نفسها لهجمات مباشرة، أو إذا تصاعدت الدعوات من أطراف مرتبطة بإيران وحزب الله للرد الفوري.
ويرى المسلمي أن الحوثيين “نشأوا في بيئة حرب دائمة، واستخدموا النزاعات المتكررة وسيلة لتعبئة أنصارهم وتعزيز الانسجام الأيديولوجي في صفوفهم، وتأجيل الاستحقاقات السياسية الداخلية الصعبة”. لذا، فإن المغامرة العسكرية ليست خيارًا غريبًا عن سلوكهم، وإن كانوا يدركون أن المخاطر هذه المرة أشد من أي مرحلة سابقة.
في ظل تشابك الأزمات الإقليمية وتعدد الحسابات المحلية، تبدو الجماعة أمام مفترق طرق بين الانخراط في صراع لا تملك زمامه، أو تبنّي نهج يجنّب اليمن مزيدًا من الانكسارات. ويبقى أن تحكيم صوت العقل والمسؤولية الوطنية هو السبيل لتفادي انزلاق البلاد إلى حلقة جديدة من الحروب بالوكالة التي أنهكت الإنسان اليمني وأرهقت مستقبل الأجيال القادمة.
اقرأ المزيد
تخبط في واشنطن: ترامب يناقض وزير خارجيته حول أسباب الحرب مع إيران ودور إسرائيل
نظام المهداوي يكتب: ليس مطلوبًا منك أن تقف مع إيران.. ولكن!
“حرب مقدسة لتعجيل هرمجدون”.. قادة بالجيش الأمريكي يخبرون جنودهم أن غزو إيران “مباركة من المسيح”












