وطن-بينما تتوسع رقعة الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية ضد إيران لتشمل مناطق عدة في الشرق الأوسط، تتابع دول المغرب العربي المشهد بقلق بالغ، مدركة أن تداعيات هذا الصراع الممتد ستنعكس مباشرة على موازين القوى في شمال إفريقيا. فالمواجهة البعيدة في الميدان الإيراني تحرك خيوط اللعبة الجيوسياسية في الصحراء الغربية ومنطقة الساحل، وتعيد رسم حدود التأثير بين الجزائر والمغرب، الخصمين التاريخيين في المنطقة.
مشهد إقليمي على صفيح ساخن
يشترك البلدان في مراقبة الأزمة من زوايا مختلفة. الجزائر، الحليف التقليدي لطهران، حاولت منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 المحافظة على نهج متّزن يجنّبها الاستقطاب، فنددت بتصعيدٍ وصفته بـ«غير قابل للتنبؤ»، ودعت إلى ضبط النفس، لكنها في الوقت ذاته أبدت تضامنها مع الدول العربية التي تعرضت لهجمات متبادلة. هذا الموقف الدبلوماسي الحذر يعكس سعي الجزائر إلى حماية مصالحها الاقتصادية، ولا سيما في قطاع الطاقة، من دون خسارة توازنها السياسي أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن أو العواصم الخليجية.
في المقابل، رأت الرباط في الحرب فرصة لتوطيد تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، مستندة إلى علاقاتها التي تعززت منذ توقيع «اتفاقات أبراهام» عام 2020، والتي منحت المملكة اعترافًا أمريكيًا‑إسرائيليًا بسيادتها على معظم أراضي الصحراء الغربية. هذا التقارب جعل الموقف المغربي أكثر انحيازًا للكتلة الغربية، رغم حساسية الرأي العام المحلي إزاء الغارات على إيران ولبنان، والتي أثارت موجة من الغضب الشعبي في الشارع المغربي.
لعبة توازن دقيقة في الجزائر
تتبنى الدبلوماسية الجزائرية، كما يوضح أحد مسؤوليها، «استراتيجية تنويع الشركاء وتخفيف الارتهان لسلاسل التوريد الغربية»، مع الحرص على الحفاظ على مبادئها التاريخية في عدم الانحياز. ويرى محللون أن هذه المعادلة الصعبة تمثل اختبارًا لقدرة الجزائر على خوض «دبلوماسية المعاملات» الأمريكية من دون المساس بثوابتها الوطنية.
يحذّر الباحث الجزائري‑الكندي رؤوف فراح، من أن الأزمة الحالية قد تؤجج التنافس الجيوسياسي في المنطقة، إذ تخشى الجزائر أن تستغل الرباط الموقف الدولي لإعادة طرح ملف الصحراء الغربية تحت مظلة جديدة، وربما الدفع نحو تصنيف جبهة البوليساريو كـ«كيان إرهابي» في حال تعثّرت المفاوضات الجارية برعاية أمريكية.
الصحراء الغربية في قلب المعادلة
منذ أسابيع، تستضيف واشنطن جولات سرّية من المحادثات بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، استنادًا إلى القرار الأممي 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، والذي عبّر عن دعم غير مسبوق لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويعوَّل على الجولة المقبلة، المقررة في مايو، لدفع الأطراف نحو اتفاق نهائي، غير أن مواقف الرباط والجزائر ما زالت متباعدة؛ فالأولى ترى في الاعتراف الأمريكي مكسبًا سياسيًا يصعب التراجع عنه، والثانية تتمسك بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي باعتباره مبدأً راسخًا في سياستها الخارجية.
بلغ خصام الدولتين ذروته عام 2021 عندما قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، متهمة إياه بالتورط في «أنشطة عدائية» وبناء تحالفات إقليمية تهدد أمنها، في إشارة واضحة إلى التقارب المغربي‑الإسرائيلي.
اقتصاد الحرب: الرابح والخاسر
اقتصاديًا، يعكس الصراع سياسات متعاكسة. فالجزائر، بصفتها من أبرز مصدري الغاز والنفط في إفريقيا، تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة الذي يرفد خزينتها بعائدات إضافية ويدعم احتياطاتها من النقد الأجنبي في ظل مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاق تجارة جديد. خطوط أنابيبها العابرة للمتوسط، ولا سيّما “ترانسمد” و“ميدغاز”، تمنحها ميزة جغرافية واستراتيجية لا تملكها جيرانها.
أما المغرب، الذي يعتمد على الواردات الطاقوية والممرات البحرية، فقد شعر سريعًا بوطأة الأزمة على أسعار الوقود والسلع الأساسية، ما زاد الضغط المعيشي خلال شهر رمضان وهدد بتراجع النمو لعام 2026 وفق تقديرات صحف اقتصادية أفريقية. ويُنتظر أن تحدد مدة الحرب في الشرق الأوسط مسار الاقتصاد المغربي بين تباطؤ عابر وأزمة أعمق.
تراجع الأيديولوجيا وصعود البراغماتية
خلال عقود الستينيات والسبعينيات، كانت الجزائر ركيزة لحركة عدم الانحياز وصوتًا قويًا لقضايا التحرر، إلا أن قدرتها على ترجمة هذا الخطاب إلى نفوذ ملموس تراجعت مع الزمن. ومع ذلك، يرى الباحث المغربي عزيز شهير أن الصراع في إيران ربما يعيد للجزائر دورًا رمزيًا ضمن محور الجنوب العالمي، خصوصًا إذا حافظت طهران على قدرتها على الصمود.
ويضيف شهير أن استخدام واشنطن المحتمل للورقة الكردية ضد إيران قد يضعف مصداقيتها كوسيط نزيه في ملف الصحراء الغربية، ما قد يدفعها لاحقًا إلى تقديم تنازلات تحفظ التوازن، ولو من دون نية مسبقة.
بين الحذر والطموح
كل من الجزائر والمغرب يقرأ الحرب على أنها مفترق طرق لا يمكن تجاهله. الرباط تسعى لتكريس مكاسبها الدبلوماسية، والجزائر تبحر بحذر لتجنب خسارة موقعها الطاقوي والاستراتيجي. وفي كلتا العاصمتين، يدرك صناع القرار أن ما يجري في الخليج وطهران لن يبقى بعيدًا عن شواطئ المتوسط.
فالأزمة الراهنة وحدها لن تحدد مستقبل المغرب العربي، لكنها بلا شك تسرّع التحولات الجارية فيه، وتختبر قدرة شعوبه ودوله على التعايش بين المبدأ والمصلحة في زمن تتغير فيه خرائط القوة كل يوم.
اقرأ المزيد
المغرب بين تحالفاته مع إسرائيل والجدل حول إزالة العبارات الدينية من سيارات نقل الموتى
انقلاب الموازين في المتوسط: لماذا أصبح المغرب “الطرف الموثوق” لواشنطن بدلاً من إسبانيا؟
عملية استخباراتية معقدة وراء الهجوم على طهران وتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية












