وطن-في وقتٍ تواصل فيه إسبانيا اعتمادها على الدبلوماسية التقليدية، كثّف المغرب حضوره داخل الولايات المتحدة عبر استثمارات كبيرة في جماعات الضغط، في مسعى واضح لتعزيز نفوذه السياسي والإعلامي، خصوصًا في ملف الصحراء الغربية.
فجوة كبيرة في حجم الإنفاق
كشفت منظمة أوبن سيكرتس، المتخصصة في تتبّع التمويل السياسي في الولايات المتحدة، أن المغرب أنفق خلال العقد الأخير ما يقارب 58.9 مليون دولار للتأثير في مراكز القرار بواشنطن، مقارنة بنحو 6.9 ملايين دولار فقط أنفقتها جهات إسبانية رسمية وخاصة.
خلال العام الماضي وحده، بلغ الإنفاق المغربي نحو 3.48 مليون دولار، مقابل أقل من 600 ألف دولار من الجانب الإسباني، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين البلدين في هذا المجال.
شركات وطنية تقود معركة التأثير
برزت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط كأحد أبرز الفاعلين في هذا المسار، حيث أنفقت أكثر من 12.7 مليون دولار خلال السنوات الماضية لتعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية للمغرب داخل السوق الأميركية.
في المقابل، ظل الحضور الإسباني محدودًا، واقتصر على مساهمات متفرقة، أبرزها من مؤسسة إيفيما، دون أن يرقى إلى مستوى التأثير المنظم والمكثف الذي تنتهجه الرباط.
السياحة كأداة سياسية ناعمة
لا يقتصر التحرك المغربي على الاقتصاد، بل يمتد إلى توظيف أدوات القوة الناعمة، وعلى رأسها السياحة، للترويج لرؤيته السياسية. إذ يتم تسويق مدينة الداخلة باعتبارها وجهة سياحية مغربية، رغم وقوعها ضمن إقليم الصحراء الغربية، ما يعكس تداخل البعد السياحي مع الأجندة السياسية.
المال والسياسة… علاقة معقدة
يرى الباحث الجيوسياسي أليخاندرو لوبيز أن طبيعة النظام السياسي الأميركي تجعل من التمويل السياسي أداة مشروعة ومؤثرة، حتى في القضايا الحساسة، ما يفسر اعتماد المغرب على هذا المسار لتعزيز موقعه.
اعتراف أمريكي وسياق سياسي أوسع
تزامن تصاعد النشاط المغربي في واشنطن مع قرار الولايات المتحدة عام 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو ما جاء ضمن ترتيبات سياسية أوسع في المنطقة، وأسهم في تعزيز موقع الرباط دوليًا.
مدريد… دبلوماسية هادئة بدل الضغط المالي
في المقابل، تفضّل إسبانيا اتباع نهج دبلوماسي تقليدي قائم على القنوات الرسمية والعلاقات متعددة الأطراف، بعيدًا عن الإنفاق المكثف على جماعات الضغط.
ويرى المحلل أكرم خريف أن هذا الخيار يعكس ثقة مدريد في ثقلها الدبلوماسي الدولي، معتبرًا أن الدول التي تلجأ بكثافة إلى جماعات الضغط غالبًا ما تسعى لتعويض محدودية أدواتها التقليدية.
صراع نفوذ… بنموذجين مختلفين
ختاماً، يكشف التباين بين المغرب وإسبانيا عن اختلاف عميق في مقاربة إدارة النفوذ الخارجي: نموذج مغربي يعتمد على الاستثمار المالي والإعلامي المكثف، مقابل نموذج إسباني يراهن على الدبلوماسية الكلاسيكية.
وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا: أي النموذجين أكثر قدرة على تحقيق مكاسب طويلة الأمد في ساحة دولية معقدة مثل واشنطن؟












