وطن-في تطور قضائي جديد يعيد ملف مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، إلى الواجهة الدولية، يعتزم قاضٍ فرنسي التحقيق في الجريمة التي هزّت العالم عام 2018، وذلك بعد شكاوى تقدمت بها منظمات حقوقية ضد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، متهمة إياه بالضلوع في إصدار أوامر اغتيال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي“، نقلًا عن مصادر تحدثت إلى وكالة فرانس برس، إن التحقيق الفرنسي يأتي استنادًا إلى شكاوى قدمتها منظمات غير حكومية تتهم محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، بالتواطؤ في التعذيب والاختفاء القسري على خلفية مقتل خاشقجي.
وكان جمال خاشقجي، الذي كتب في صحيفة “واشنطن بوست” وتعاون مع “ميدل إيست آي”، قد قُتل في أكتوبر 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول على يد عناصر سعوديين. ووفق ما أوردته الصحيفة، فقد جرى تقطيع جثمانه بعد مقتله، ولم يتم العثور عليه حتى اليوم.
وتحولت قضية مقتل جمال خاشقجي، إلى واحدة من أبرز القضايا الحقوقية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أثارت موجة غضب عالمية ووضعت ولي العهد السعودي تحت ضغط دولي غير مسبوق.
وبحسب صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن الإدارة الأمريكية أفرجت في عام 2021 عن تقرير استخباراتي اتهم محمد بن سلمان، المعروف اختصارًا بـ”إم بي إس”، بالموافقة على عملية اغتيال خاشقجي. ومنذ ذلك الحين، ظل الملف حاضرًا في المحاكم والمنظمات الحقوقية، رغم محاولات الرياض إغلاقه قضائيًا وسياسيًا.
يستند التحقيق الفرنسي الجديد، إلى شكوى تقدمت بها منظمتا ترايل إنترناشيونال والديمقراطية الآن للعالم العربي، المعروفة اختصارًا باسم “داون”، وهي المنظمة التي أسسها خاشقجي قبل مقتله بفترة قصيرة. وتتهم الشكوى ولي العهد السعودي بأنه أمر باغتيال خاشقجي “خنقًا”، وتعتبر الجريمة مرتبطة بالتعذيب والاختفاء القسري.
وأضافت الصحيفة أن الشكوى قُدمت في يوليو 2022، أثناء زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا، قبل أن تنضم إليها لاحقًا منظمة مراسلون بلا حدود بشكوى أخرى في المسار نفسه.
ومن المقرر أن يُحال الملف إلى قاضٍ متخصص في الجرائم ضد الإنسانية، تكون مهمته دراسة ما إذا كانت الشكاوى يمكن أن تفتح الباب أمام إجراءات قضائية أوسع داخل فرنسا. ويأتي هذا التحرك بعد سنوات من المداولات القانونية، إذ عارض مكتب الادعاء العام الفرنسي سابقًا فتح تحقيق، معتبرًا أن ادعاءات المنظمات غير مقبولة من الناحية الإجرائية.
لكن محكمة الاستئناف في باريس اتخذت موقفًا مغايرًا، إذ قضت يوم الاثنين من الأسبوع الماضي بقبول الشكاوى، معتبرة أنه “لا يمكن استبعاد احتمال تصنيف القضية كجريمة ضد الإنسانية” قبل إجراء التحقيقات اللازمة.
وبحسب ما أوردته وكالة “فرانس برس”، ونقلته “ميدل إيست آي”، فإن القاضي الفرنسي سيبحث ما إذا كانت عملية اغتيال خاشقجي قد جاءت ضمن “خطة منسقة” من جانب السلطات السعودية ضد المعارضين، بما قد يرقى إلى “هجوم واسع النطاق أو منهجي” ضد مدنيين.
وعلى الرغم من أن منظمة “داون” لم تتمكن في نهاية المطاف من الانضمام إلى الإجراءات بصفتها طرفًا مدنيًا، فإنها رحبت بفتح التحقيق، واعتبرته “خطوة مهمة نحو العدالة” في قضية مقتل جمال خاشقجي.
وقال إيمانويل داود، محامي منظمة مراسلون بلا حدود، إن “الجريمة التي ارتُكبت بحق جمال خاشقجي جريمة بشعة تقررت وخُطط لها على أعلى مستويات الدولة السعودية، التي أعدمت صحفيًا كان صوتًا مستقلًا ومعارضًا”.
من جانبه، قال هنري تولييه، محامي منظمة ترايل إنترناشيونال، إن فرنسا ملزمة بفتح تحقيق ضد أي شخص يوجد على أراضيها ويُشتبه في تورطه بالتعذيب أو الاختفاء القسري. وأضاف أنه “ينبغي ألا يبقى أي عائق أمام فتح تحقيق قضائي في الجريمة المروعة التي استهدفت جمال خاشقجي”.
وتشير صحيفة “ميدل إيست آي”، إلى أن مقتل خاشقجي الوحشي تسبب حينها في عزلة قصيرة لولي العهد السعودي على الساحة الدولية، بعدما تجنب عدد من قادة العالم التعامل العلني معه لفترة، قبل أن يعود تدريجيًا إلى الواجهة السياسية عبر لقاءات وزيارات رسمية.
ورغم نفي محمد بن سلمان إصدار أمر بقتل خاشقجي، فإنه قال في تصريحات سابقة إن الجريمة وقعت “تحت مسؤوليته” باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد. وفي عام 2025، وصف ولي العهد السعودي الاغتيال بأنه “خطأ كبير”، وذلك خلال اجتماع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وكانت السعودية قد أجرت في عام 2018 محاكمة مغلقة لعدد من المتهمين في قضية مقتل خاشقجي، انتهت بالحكم على خمسة أشخاص بالإعدام، مع تبرئة ولي العهد السعودي من أي مسؤولية مباشرة. غير أن منظمات حقوقية دولية نددت بتلك المحاكمة، ووصفتها بأنها “نقيض للعدالة” و”مهزلة قضائية”.
ويعيد التحقيق الفرنسي المرتقب ملف مقتل جمال خاشقجي، إلى مسار قضائي دولي جديد، في وقت لا تزال فيه عائلته ومنظمات حقوق الإنسان تطالب بكشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة جميع المسؤولين عن واحدة من أكثر الجرائم السياسية إثارة للجدل في العقد الأخير.
اقرأ المزيد
مبادرة “هلسنكي” السعودية: هل ينهي اتفاق “عدم الاعتداء” مع إيران عقوداً من الصراع في الشرق الأوسط؟
تحالف إسرائيلي إماراتي يثير القلق في الخليج.. هل بدأت معركة النفوذ الكبرى ضد السعودية وإيران؟
أخطر تحول في تاريخ الأراضي المقدسة.. السعودية تفتح مكة للاستثمار العالمي

