وطن-في السنوات الماضية، اعتمدت السلطات المصرية على القبضة الأمنية التقليدية لإحكام السيطرة على المجال العام، من الاعتقالات الواسعة إلى التضييق على الأحزاب ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية. لكن المشهد يبدو اليوم مختلفًا وأكثر تعقيدًا، بعدما انتقلت المواجهة إلى ساحة جديدة: الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي.
ففي وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الحكومة المصرية، يتزايد الحديث عن توجه أمني أكثر تشددًا تجاه المحتوى الرقمي، وسط مخاوف من أن تتحول وسائل التواصل إلى المصدر الرئيسي لتشكيل الرأي العام بعيدًا عن الإعلام الرسمي.
من ملاحقة المعارضين إلى مراقبة الفضاء الرقمي
لم يعد الأمر مقتصرًا على ملاحقة الشخصيات السياسية المعارضة أو النشطاء المعروفين، بل امتد ليشمل مراقبة الحسابات الفردية والمحتوى المتداول بين المستخدمين. ويقول مراقبون إن الدولة باتت تنظر إلى الفضاء الإلكتروني باعتباره الجبهة الأخطر، خصوصًا مع تراجع تأثير الإعلام التقليدي لدى قطاعات واسعة من الشباب.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت منصات التواصل في مصر حملات متكررة لإزالة محتوى أو تقييد حسابات معارضة، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بالأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى محللون أن هذه الإجراءات تعكس قلقًا متزايدًا داخل دوائر الحكم من فقدان السيطرة على السردية العامة، خاصة في ظل الانتشار السريع للمعلومات والمقاطع المصورة التي يصعب احتواؤها بالكامل.
الأزمة الاقتصادية تضاعف حساسية السلطة
تأتي هذه التطورات بينما تواجه مصر واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، مع استمرار التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، وارتفاع مستويات الدين الخارجي، إلى جانب الضغوط المرتبطة بشروط المؤسسات المالية الدولية.
هذا الواقع جعل منصات التواصل مساحة مفتوحة للتعبير عن الغضب الشعبي، وهو ما يفسر، بحسب متابعين، تشدد السلطات تجاه أي محتوى قد يُنظر إليه باعتباره قادرًا على تعبئة الرأي العام أو تحفيز الاحتجاجات.
ويشير خبراء في الشأن السياسي المصري إلى أن الأنظمة التي تواجه ضغوطًا اقتصادية حادة تميل غالبًا إلى تشديد الرقابة على المجال الرقمي، لأن التحكم في تدفق المعلومات يصبح جزءًا من معركة الحفاظ على الاستقرار السياسي.
هل تنجح سياسة الحظر؟
على الرغم من التوسع في أدوات الرقابة، يشكك كثيرون في قدرة أي سلطة على السيطرة الكاملة على الفضاء الإلكتروني، خاصة مع التطور المستمر للتكنولوجيا وظهور بدائل جديدة لتبادل المعلومات.
كما أن سياسة الحظر قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تمنح المحتوى الممنوع انتشارًا أكبر، وتزيد فضول الجمهور تجاه الروايات التي تحاول السلطات تقييدها.
ويرى مراقبون أن المعركة الحقيقية لم تعد أمنية فقط، بل باتت مرتبطة بالثقة بين الدولة والمجتمع. فكلما اتسعت الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من الصعب احتواء الغضب عبر الرقابة وحدها.
معركة الوعي تتجاوز الحدود
اللافت أن الصراع لم يعد محليًا بالكامل، إذ أصبحت المنصات الرقمية تربط الداخل المصري بجمهور عربي ودولي واسع، ما يجعل أي قضية داخلية قابلة للتحول إلى نقاش إقليمي أو عالمي خلال ساعات.
ولهذا، تبدو السلطات المصرية أمام تحدٍ متزايد: كيف يمكن ضبط الفضاء الرقمي دون دفع مزيد من المواطنين نحو منصات بديلة أو روايات موازية؟
وبينما تستمر محاولات السيطرة على المجال الإلكتروني، يعتقد كثيرون أن عصر احتكار المعلومة قد انتهى، وأن الهواتف الذكية أصبحت اليوم أقوى من الجدران التقليدية التي كانت تُستخدم لعزل الأصوات المعارضة.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع السلطة احتواء الغضب الشعبي عبر الرقابة الرقمية، أم أن تشديد القيود يكشف في حد ذاته حجم القلق داخل النظام؟
اقرأ المزيد
«أطلقوا سراحهم وسنصمت».. هل تفتح مبادرة سيف الإسلام عيد باب “التسوية الإنسانية” في مصر؟
فخ العداد الكودي.. كيف تسبب تقنين الكهرباء في حذف بطاقات التموين لآلاف المصريين؟
بنسبة هيمنة تتجاوز 80%.. هل تحوّل غياب المنافسة في سوق الإنترنت بمصر إلى ضريبة يدفعها المواطن؟

