وطن-في تطور جديد يعكس تعقيدات الأزمة بين واشنطن وطهران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يعتزم رفع الحصار البحري المفروض على مضيق هرمز، مقابل تعهد إيران بعدم فرض رسوم على عبور السفن، والسماح للولايات المتحدة بالوصول إلى منشآت نووية متضررة لتدمير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب. غير أن طهران سارعت إلى نفي وجود اتفاق نهائي أو مفاوضات مكتملة بشأن برنامجها النووي.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن تصريحات ترامب، التي جاءت عبر منصته «تروث سوشيال» يوم الجمعة، بدت غامضة وتأتي ضمن سلسلة من المواقف التي أطلقها خلال الأيام الأخيرة، مشيراً فيها إلى قرب التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، في وقت لا يزال فيه الجمود مسيطراً على مضيق هرمز، رغم وقف إطلاق نار هش يمنع اتساع نطاق المواجهة بين الجانبين.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، ربط ترامب رفع الحصار البحري الأمريكي بموافقة إيران على فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة دون رسوم، وبتمكين واشنطن من الوصول إلى منشآت نووية إيرانية تضررت سابقاً، بهدف التخلص من اليورانيوم عالي التخصيب. وكانت الولايات المتحدة قد قصفت ثلاثة منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025.
وكتب ترامب على منصته: إن «المواد المخصبة، التي يشار إليها أحياناً باسم الغبار النووي، والمدفونة في أعماق الأرض تحت جبال شبه منهارة، سيتم استخراجها بواسطة الولايات المتحدة، بالتنسيق الوثيق والمشترك مع جمهورية إيران الإسلامية، إضافة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم سيتم تدميرها».
وأضاف الرئيس الأمريكي، وفقاً لما نقلته «ميدل إيست آي»، أن السفن العالقة في المضيق بسبب ما وصفه بـ«الحصار البحري المذهل وغير المسبوق» يمكنها الآن أن تبدأ عملية «العودة إلى ديارها»، في إشارة إلى أن رفع الحصار سيتيح استئناف حركة الملاحة تدريجياً عبر أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
لكن إيران نفت، الجمعة، وجود مفاوضات بشأن برنامجها النووي، مؤكدة أن أي اتفاق لم يتم الانتهاء منه بعد. ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «فيما يتعلق بالتفاهم، وكما قلت لكم، فإن تبادل الرسائل مستمر، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن».
وكشفت الصحيفة أن وكالة «فارس» الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، وصفت تصريحات ترامب الأخيرة بأنها «مزيج من الحقيقة والأكاذيب». وقالت الوكالة إن ما ذكره الرئيس الأمريكي بشأن استخراج وتدمير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب «لا أساس له من الصحة على الإطلاق».
وعلى الرغم من تضارب الروايات بين واشنطن وطهران، تفاعلت أسواق الطاقة العالمية مع نبرة ترامب المتفائلة. فقد تراجع خام برنت، المعيار الدولي لأسعار النفط، بنسبة 1.5% يوم الجمعة، كما انخفض بنحو 15% منذ بداية الشهر، وسط توقعات بأن توسع الولايات المتحدة وإيران نطاق وقف إطلاق النار بما يسمح بعودة تدفق السفن والطاقة عبر مضيق هرمز.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن مضيق هرمز لا يزال عملياً مغلقاً من الجانبين؛ فالسفن الإيرانية وتلك المحملة بالنفط الإيراني لا تستطيع المرور بسبب الحصار الأمريكي، في حين أن نحو ألفي سفينة أخرى عالقة في الخليج لا تعبر المضيق بسبب القيود التي تفرضها إيران على الحركة البحرية.
وأوضحت الصحيفة أن طهران سمحت لبعض السفن بالعبور في حال دفع رسوم أو إجراء تفاوض مباشر معها، وهو ما رفضه ترامب صراحة في منشوره، قائلاً إن «مضيق هرمز يجب أن يُفتح فوراً، بلا رسوم، أمام حركة شحن غير مقيدة في الاتجاهين». كما دعا إيران إلى إزالة أي ألغام محتملة من المضيق.
وفي المقابل، قالت وكالة «فارس» إن ترامب زعم أن إيران ملزمة بفتح مضيق هرمز دون رسوم، رغم أن مثل هذا البند لا يظهر في نص الاتفاق، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي». ويعكس هذا التباين حجم الخلاف حول طبيعة التفاهمات المطروحة، وما إذا كانت تتعلق فقط بحرية الملاحة أم تشمل ملفات أوسع مثل العقوبات والبرنامج النووي.
وتسعى إيران، بحسب تقارير ومحللين، إلى الحصول على تخفيف للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من أموالها المجمدة في الخارج كجزء من أي تمديد لوقف إطلاق النار. ويرى مراقبون أن مثل هذا الاتفاق، إن تم، لن يكون نهاية الأزمة، بل خطوة تمهيدية لمحادثات أعمق بين واشنطن وطهران.
غير أن ترامب استبعد، في منشور آخر، الإفراج عن الأموال المجمدة حالياً، قائلاً: «لن يتم تبادل أي أموال حتى إشعار آخر». ولم يتضح ما إذا كان يقصد بذلك الأموال الإيرانية المجمدة فقط، أم يشمل أيضاً أي إعفاءات قد تسمح لطهران ببيع نفطها في الأسواق العالمية من دون التعرض للعقوبات الأمريكية.
وفي موازاة التصعيد الإعلامي، قالت «ميدل إيست آي» إن تحركات دبلوماسية مكثفة تجري خلف الكواليس. فقد توجه وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى واشنطن، حيث التقى نظيره الأمريكي ماركو روبيو يوم الجمعة، في ظل دور تلعبه إسلام آباد كوسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وإيران.
كما أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره العماني بدر البوسعيدي، في وقت تظل فيه مسقط أحد أبرز الوسطاء الإقليميين في الأزمة. وكانت عُمان قد تولت الوساطة بين الجانبين قبل أن تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير الماضي.
وأضافت الصحيفة أن ترامب كان قد هدد هذا الأسبوع بـ«تفجير» عُمان إذا وافقت على العمل مع إيران بشأن نظام رسوم لعبور مضيق هرمز، في تصريح يعكس حدة التوتر المحيط بملف الملاحة في الخليج. وبين إعلان ترامب رفع الحصار ونفي إيران التوصل إلى اتفاق، يبقى مضيق هرمز محور اختبار حاسم لمستقبل وقف إطلاق النار ومسار التصعيد بين واشنطن وطهران.
اقرأ المزيد
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران
كواليس الاتفاق المثير.. كيف تحولت مفاوضات ترامب وإيران إلى معركة للسيطرة على مضيق هرمز؟
اعترافات أميركية صادمة: واشنطن تتجه نحو “هزيمة كاملة”في مضيق هرمز
روبرت كاغان يحذر: أمريكا تواجه “كش ملك” في حرب إيران.. وهزيمة مضيق هرمز لا يمكن إصلاحها

