وطن-في خطوة تصعيدية جديدة داخل مدينة الخليل المحتلة، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلغاء ما يُعرف بـ«اتفاق الخليل»، في قرار من شأنه نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة من المدينة، بما فيها البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل الفلسطينية إلى السلطات الإسرائيلية.
ويأتي القرار في ظل تصاعد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، وتزايد القيود المفروضة على الفلسطينيين في مدينة الخليل، التي تُعد واحدة من أكثر المدن الفلسطينية حساسية من الناحية الدينية والسياسية.
سحب صلاحيات فلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية
بحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، أعلن سموتريتش القرار خلال افتتاح بؤرة استيطانية جديدة جنوب جبل الخليل، معتبراً أن الترتيبات التي أُقرت بموجب اتفاق أوسلو كانت «خطأً تاريخياً» لأنها منحت بلدية الخليل الفلسطينية دوراً في ملفات التخطيط والبناء داخل مناطق تضم مستوطنين إسرائيليين.
وتم تثبيت القرار رسمياً عبر مجلس التخطيط الأعلى الإسرائيلي، المسؤول عن ملفات البناء والتخطيط في أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، بعد موافقة مبدئية من المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في وقت سابق من هذا العام.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تحولاً جوهرياً في إدارة المدينة، إذ تمنح سلطات الاحتلال نفوذاً أكبر داخل مناطق كانت تخضع لترتيبات خاصة بموجب الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية السابقة.
ما هو اتفاق الخليل؟
وُقّع بروتوكول الخليل عام 1997 بين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ضمن إطار اتفاق أوسلو.
وقسّم الاتفاق المدينة إلى منطقتين رئيسيتين؛ الأولى «H1» التي تخضع للإدارة الفلسطينية وتشكل نحو 80% من مساحة المدينة، والثانية «H2» التي تضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي وأحياء مجاورة، وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
ومنذ توقيع الاتفاق، كانت بلدية الخليل تشارك في بعض الملفات التنظيمية والإدارية داخل مناطق محددة، إلا أن القرار الجديد يضع هذه الصلاحيات تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
الحرم الإبراهيمي في قلب الصراع
يمثل الحرم الإبراهيمي أحد أكثر المواقع حساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، نظراً لمكانته الدينية لدى المسلمين واليهود على حد سواء.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن القرار الإسرائيلي الجديد يهدف إلى تعزيز السيطرة على الحرم الإبراهيمي ومحيطه، تمهيداً لتوسيع النفوذ الاستيطاني داخل البلدة القديمة.
وكانت السلطات الإسرائيلية قد اتخذت خلال الأشهر الماضية سلسلة إجراءات أثارت مخاوف فلسطينية، من بينها تقليص صلاحيات الجهات الفلسطينية المشرفة على الحرم وفرض قيود إضافية على العاملين فيه.
كما تُغلق إسرائيل منذ سنوات مساحات واسعة حول الحرم الإبراهيمي عبر شبكة من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش، ما يؤثر بشكل مباشر على حياة آلاف الفلسطينيين المقيمين في المنطقة.
انتقادات فلسطينية وتحذيرات من مخطط استيطاني
من جانبه، اعتبر رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري أن القرار يمثل محاولة لإعادة فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، وتقويض الاتفاقات الموقعة سابقاً برعاية دولية.
وقال إن الخطوة تأتي في إطار مشروع استيطاني أوسع يستهدف البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي، محذراً من تداعياتها على الوجود الفلسطيني في المدينة.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى توسيع نفوذ المستوطنين داخل الخليل، وإنشاء هياكل إدارية منفصلة تخدم التجمعات الاستيطانية على حساب المؤسسات الفلسطينية.
تصاعد الاقتحامات والقيود العسكرية
يتزامن القرار مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل، حيث تشهد المدينة اقتحامات متكررة وفرض حظر تجول وإغلاق عدد من الشوارع والأحياء الفلسطينية.
وتقول منظمات حقوقية إن الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة أدت إلى تقييد حركة السكان وتعطيل الأنشطة الاقتصادية والتجارية في المدينة، خاصة داخل البلدة القديمة.
كما شهدت الخليل خلال الفترة الأخيرة زيارات متكررة لمسؤولين إسرائيليين من اليمين المتطرف تحت حماية عسكرية مشددة، في مشهد يراه الفلسطينيون جزءاً من سياسة تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على المدينة.
سموتريتش في دائرة الجدل الدولي
ويُعد بتسلئيل سموتريتش أحد أبرز رموز اليمين القومي المتطرف في إسرائيل، ويقود منذ سنوات حملات داعمة لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.
وكانت تقارير إعلامية قد كشفت في وقت سابق عن تحركات قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية تتعلق باتهامات مرتبطة بسياسات الاستيطان والتهجير القسري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويرى مراقبون أن إلغاء بروتوكول الخليل يمثل محطة جديدة في سياسة إسرائيل الرامية إلى إعادة رسم الواقع الإداري والديموغرافي في الضفة الغربية، وسط مخاوف فلسطينية ودولية من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تقويض أي فرص مستقبلية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ومع استمرار التوتر حول الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، تبدو الخليل مقبلة على مرحلة أكثر حساسية، عنوانها تصاعد الاستيطان وتعميق السيطرة الإسرائيلية على واحدة من أهم المدن الفلسطينية تاريخياً ودينياً.
اقرأ المزيد
إسرائيل تصادر أراضي مقام النبي صموئيل.. كيف تحوّل “علم الآثار” إلى سلاح إسرائيلي لضم الضفة والقدس؟
على أنقاض “الأونروا” في الشيخ جراح.. كيف حوّل الاحتلال مقراً أممياً إلى ثكنة عسكرية لوزير الدفاع؟
أمر مصادرة تاريخي.. كيف تُخطط حكومة الاحتلال لانتزاع عقارات “باب السلسلة” ومحيط الأقصى؟

